للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التميمى (١). ويظهر أن النعمان لم يكن سهل القياد، ويقال إنه قتل عدى بن زيد فضاق به كسرى الثانى ملك الفرس واستدرجه إلى حاضرته بالمدائن، وألقاه فى غيابة السجن، ثم قتله، ويقال إنه رمى به تحت أرجل الفيلة فمزقته إربا. ولم يول الفرس بعده أحدا من هذا البيت فقد نصبوا على الحيرة إياس بن قبيصة الطائى، وثارت قبيلة بكر حمية للنعمان على إياس والفرس وهزمتهما شر هزيمة فى يوم ذى قار. وبقيت الأمور مضطربة حتى استولى على الحيرة خالد بن الوليد سنة ٦٣٣ م.

واحتلت الحيرة وأمراؤها حيزا كبيرا فى أقاصيص العرب وأخبارهم وأشعارهم فطالما تحدثوا عن الغريّين وقصرى الخورنق والسّدير، وطالما قصوا عن أمرائهم الحقيقيين والأسطوريين مثل جذيمة الأبرش. ويظهر أن المناذرة عرفوا من تقاليد الملك أكثر مما عرف الغساسنة، وكانوا أوسع منهم سلطانا إذ دانت لهم بالطاعة اليمامة والبحرين وعمان وقبائل العراق وعلى رأسها بكر وتغلب وكذلك كثير من قبائل نجد وخاصة بعد انحلال مملكة كندة. وعلى نحو ما أكثر الشعراء فى مديح النعمان بن المنذر وأسلافه أكثروا من استعطافهم حتى لا تغزوهم جيوشهم (٢) وقد يشكون من ثقل الضرائب ومما كانوا يدفعون ويؤدون من الإتاوات فى أسواق العراق وفى غير أسواق العراق (٣).

وكل الدلائل تدل على أن الحياة كانت مزدهرة فى الحيرة قبيل الإسلام، وكان أكثر سكانها من القبائل العربية، وكان يجاورهم العباديون من النصارى، ويظهر أنهم كانوا أخلاطا من العرب وغير العرب، كما كان يجاورهم الأحلاف من بعض العرب من النبط، سكان العراق من بقايا الأكديين والآراميين، وكانوا يحترفون الزراعة. وكانت هناك جالية فارسية، تمتهن بعض المهن والحرف، ويظن أنه كان هناك بعض اليهود. وكانت الحيرة كما قدمنا سوقا تجاريا كبيرا، وكل ذلك أعد لأن تتحضر، وأن تتأثر بالثقافة الهيلينية الفارسية التى كانت تعم فى تلك الأنحاء.


(١) الحيوان ٤/ ٣٧٩.
(٢) الأصمعيات (طبعة دار المعارف) رقم ٥٨.
(٣) المفضليات رقم ٤٢ البيت ١٦، ١٧ وقارن مع رقم ٤١ البيت ١٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>