للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

اليتيمة للثعالبى، ومثل على بن حمزة اللغوى فقد ذكر ياقوت فى ترجمته أنه كان راوية لديوان المتنبى وأنه رحل إلى بلرم فى صقلية وظل فيها يروى للطلاب ديوان المتنبى ويشرحه إلى أن توفى سنة ٣٧٥ هـ‍/٩٨٦ م ويبدو أن دواوين أخرى كثيرة دخلت إلى صقلية، فابن مكى يذكر فى الباب الأربعين من كتابه «تثقيف اللسان ما كان يحطى فيه المغنون من أشعار كثير وذى الرمة وجرير وابن الرومى والشريف الرضى. ويقول القفطى بكتابه تاريخ الحكماء فى ترجمة أبى سليمان المنطقى عن كتاب الإمتاع والمؤانسة لأبى حيان التوحيدى: إنه خاض كل بحر وغاص كلّ لجّة، وما أحسن ما رأيته على ظهر نسخة منه بخطّ بعض أهل جزيرة صقلّية، وهو قوله:

«ابتدأ أبو حيان كتابه الإمتاع صوفيا وتوسطه محدّثا وختمه سائلا ملحفا». وفى ذلك ما يدل على أن كتب الفكر العميق المشرقية-مثل كتب أبى حيان-كانت تحت أعين الصقليين.

وما ذكرناه أو أشرنا إليه من ذلك إنما هو رموز لما نقل إلى صقلية من نفائس الكتب الأدبية والفكرية، ولا بد أن كانت نفائس الكتب التونسية والمشرقية فى التفسير والحديث النبوى والفقه تنقل بدورها إليها.

ومن المؤكد أن الحركة العلمية كانت نشيطة بها، ويدل على ذلك-من بعض الوجوه- ما يقوله ابن حوقل فى كتابه صورة الأرض من أنه كان بها ما يزيد على مائتى مسجد، ويقول أيضا-ونقل ذلك عنه ياقوت فى معجم البلدان-إن فى بلرم ما لا يقل عن ثلاثمائة معلم، ولا بد أن كانت لهم حلقات كثيرة فى المساجد يحاضرون بها الناس فى مختلف فروع الثقافة الإسلامية. ومن طريف ما يذكره ابن حوقل أنه رأى بها كتّابا به خمسة من المعلمين لهم من بينهم رئيس هو مدير الكتّاب أو مدير هذه المدرسة، ويقول إن صبيان الكتاتيب كثيرون وإنهم يبلغون أحيانا ثمانين طالبا فى الحلقة الواحدة أو الفصل الواحد، وهى بذلك ليست كتاتيب- كما يقول-إنما هى مدارس، وقد أهّلت لنشاط علمى واسع فى بلرم، وعلى شاكلتها كانت المدن الأخرى فى صقلية.

وحرىّ بنا أن نستعرض النشاط فى العلوم المختلفة بصقلية الإسلامية، ونبدأ بعلوم الأوائل، وكانت-فى رأينا-نشيطة بصقلية، إذ كان ما يقرب من نصف سكانها من الإغريق والرومان وكان لهم تراث قديم بلغتيهما الإغريقية واللاتينية، وحذق كثيرون منهم العربية وحذق بعض العرب لغتيهما بحكم الامتزاج والاختلاط والتعامل اليومى بين السكان، ودفع ذلك إلى التبادل عن طريق الترجمة بين التراث الإغريقى اللاتينى والتراث العربى، ومن أهم من عنوا بذلك الرهبان الصقليون، فكانوا ينقلون عن العربية بعض نفائس تراثها كما كانوا ينقلون إليها بعض نفائس التراث الإغريقى اللاتينى ويدل على ذلك-من بعض الوجوه-ما ذكره الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب فى الجزء الأول من كتابه ورقات عن الحضارة العربية

<<  <  ج: ص:  >  >>