للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فى المظالم ورقاع أصحاب الشكوى وكانوا يسمونها باسم القصص، وكان من عادة ملوك الفرس ووزرائهم أن يوقعوا عليها بعبارات موجزة بليغة، فجاراهم خلفاء بنى العباس ووزراؤهم فى هذا الصنيع.

وكان هناك ديوان كبير على رأسه صاحب الخبر، وكانت تأتيه أخبار الولايات بواسطة موظفين مهمتهم أن يوافوه بكل ما يجرى فى الولايات من أحداث وأسعار، وهم يشبهون-فى عصرنا-أدق الشبه مراسلى الصحف ومندوبيهم. وكانوا يحصون كل كبيرة وصغيرة للوالى ومن وراءه من قواد الجيش والقضاة وعمال الخراج والمحتسبين ورجال الشرطة ويبلغونها إلى صاحبهم، وهو بدوره يبلغها إلى الخليفة (١). وقد أحكم هذا النظام للبريد إحكاما دقيقا، فكان هناك رسل موقوفون على حمل تلك الأخبار فى سرعة شديدة على خيل مضمرات توجد فى عدة أماكن على الطرق الممتدة من الولايات إلى بغداد. وقد ألّفت من أجلهم كتب المسالك والممالك المشهورة لابن خرداذبة وغيره، وهى كتب تفيض بوصف الأحوال الجغرافية والاقتصادية لولايات الدولة وبلدانها المختلفة فى المشارق والمغارب.

وليس هذا كل ما أخذه العباسيون عن ملوك بنى ساسان من النظم الإدارية والسياسية، فقد أخذوا عنهم أيضا نظام الوزارة، وكلمة وزير عربية فقد وردت فى القرآن الكريم يقول جلّ شأنه على لسان موسى: (واجعل لى وزيرا من أهلى هرون أخى) ومعناها فى الآية الكريمة المؤازر والمساعد، غير أنها أخذت تطلق منذ فاتحة العصر العباسى على المستشار الأول للخليفة فى إدارة شئون دولته.

وهى وظيفة كانت معروفة فى الدولة الساسانية، إذ كانوا يقيمون-لاحتجابهم عن الرعية-وسطاء يصرّفون أمور الدولة ويرسمون سياستها ويعيّنون موظفيها، ومن أشهرهم بزرجمهر وزير أنوشروان الذى عرف بحكمته وحنكته. وكأن العباسيين رأوا أن يجاروهم فى هذا النظام، فاتخذوه لأول مرة فى تاريخ الخلافة العربية، وأطلقوا على صاحبه اسم الوزير، يقول ابن الطقطقى: «الوزير وسيط بين الملك ورعيته، فيجب أن يكون فى طباعه شطر يناسب طباع الملوك، وشطر يناسب طباع العوام، ليعامل كلا من الفريقين بما يوجب له القبول والمحبة والأمانة. . .


(١) انظر الطبرى ٦/ ٣٣٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>