للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولا فناء، ولا يصفه وصف لا يسأل عما يفعل، أزلىّ أبدىّ، ليس كمثله شئ، قديم والخلق جميعا حادثون. ومرّ بنا أنه ربما كان أول صوفى دعا للانفصام بين الحقيقة (التصوف) والشريعة، وفى أخباره أنه قال فى رسالة له أرسل بها إلى بعض تلامذته (١):

«اعلم أن المرء قائم على بساط الشريعة ما لم يصل إلى مواقف التوحيد، فإذا وصل إليها سقطت من عينه الشريعة واشتغل باللوائح الطالعة من معدن الصدق، فإذا ترادفت عليه اللوائح وتتابعت عليه الطوالع صار التوحيد عنده زندقة والشريعة عنده هوسا، فبقى بلاعين ولا أثر. إن استعمل الشريعة استعملها رسما. وإن نطق بالتوحيد نطق به غلبة وقهرا».

وواضح أنه يجعل الشريعة للناس العاديين، أما أهل الحقيقة من أمثاله فإنهم يسقطون الشريعة ويسقطون معها الفروض الدينية! فلا صلاة ولا صوم ولا حج ولا زكاة، بل إن المتصوف إذا ظل راقيا فى مراقى الحقيقة العليا، سقطت عنده لا الشريعة وحدها، بل كل شئ حتى التوحيد! . ولعل فى الفقرة الأخيرة من كلامه ما يشير إلى لون رابع من ألوان النثر الصوفى، هو تصوير الصوفية لمعتقداتهم فى مصنفات خاصة، على نحو ما يلقانا فى كتاب الطواسين له، ويحسن أن نعرض منه قطعة أو فقرة تصوّر كتابته الصوفية، ولتكن القطعة التى كتبها عن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم فى مستهل الفصل الأول من كتابه، وهى تجرى على هذا النمط (٢):

«طس سراج من نور الغيب بدا وعاد، وجاوز السراج وساد، قمر تجلّى من بين الأقمار، برجه فى فلك الأسرار، سمّاه الحق أميّا لجمع همته، وحرميّا لعظم نعمته، ومكيّا لتمكينه عند قربه، شرح صدره، ورفع قدره، وأوجب أمره، فأظهر بدره. طلع بدره من غمامة اليمامة، وأشرقت شمسه من ناحية تهامة. . {(الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)}. أنوار النبوة من نوره برزت، وأنوارهم من نوره ظهرت، همّته سبقت الهمم، ووجوده سبق العدم، واسمه سبق القلم، لأنه كان قبل الأمم. . . وهو سيد البرية الذى اسمه أحمد، ونعته أوحد، كان مشهورا


(١) أخبار الحلاج ص ٧٣.
(٢) الطواسين ص ٩ - ١٤

<<  <  ج: ص:  >  >>