للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[الاختلاف بين الدعاة]

السؤال

شيخنا الفاضل! هناك بعض الدعاة يحذرون من بعضهم، لأنهم خالفوهم في شيء معين، ويقولون فيهم ما ليس فيهم، فما رأيكم في هذا؟

الجواب

هذه الأمة كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنها: {فتنتها المال وعذابها الفرقة} {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بعض} [الأنعام:٦٥] فأما الأولى والثانية فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أعوذ بوجهك! أعوذ بوجهك! -وأما الثالثة فقال-: هذه أيسر -أو أهون-} فالفرقة واقعة في هذه الأمة منذ أن وضع فيها السيف، وذلك عندما قتل عثمان رضي الله عنه، وهذا من الواقع الذي لا نريده، ولا يرضاه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ولا يريده لنا إرادة شرعية، لكنه واقع على أية حال، فإذا وضع السيف في الأمة فإنه لا يرفع إلى يوم القيامة، فما دام واقعاً ونحن لا نريده ولا نرضاه، فيكون واجبنا على نوعين: أولاً: أن نعرف -في زحمة هذا الاختلاف- الحق وأن نتبعه، فإن الحق واحد لا يتعدد، والجماعة هي الحق وإن كنت وحدك، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: [[فإن كان سائر الناس أو معظم الناس قد خالفوا الجماعة، فالجماعة ما وافق الحق]] هذا أمر.

الأمر الآخر: أن تكون علاقتي بالآخر -المخالف- مضبوطةً بما شرع الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فقد أرى مخالفاً لي وهو في الحقيقة غير مخالف، وإنما هذا من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، وهناك فرق بين اختلاف التنوع واختلاف التضاد.

ونحن قلنا: إن اختلاف التنوع كمثل من اشتغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذاك اشتغل بالعلم -مثلاً-، توسع هذا في هذا، وتوسع هذا في هذا، فهذا تنوع وليس تضاد، فيجب أن نعرف أن هذا ليس خلافاً، ومن ثم فلا يترتب عليه أيُّ نوع من أنواع العداوة، فعرضه حرام علي، ولا يجوز أن أطعن فيه، وإن رأيت منه أخطاء، فهذا أصلاً يجب التناصح معه في ذلك، وهذا وارد في حق أيّ مسلم، فكيف للداعية؟! فيجب علي أن أنصح له، وأن أبين له الحق، وأن أرشده.

ومن الناس من إذا عرفته وعرفت حقيقة خلافه، وجدت أنه خلاف ناشىء عن جهله ببعض الحق الذي عندي، فهذا واجب أن أبين له ما عندي من الحق، ويجب عليه أن يتسع صدره ليسمع ما عندي، ومن الناس من خلافه خلاف عناد وابتداع -نسأل الله السلامة والعافية- فهذا إذا ثبت أنه يعاند عن علم ويكابر عن الحق، فننظر بحسب المصلحة، قد تكون هناك مصلحة في أن نغض الطرف عنه، وألا نكلمه أصلاً، ولا نتحدث معه بالمرة، وقد تكون المصلحة في أن أهجره، أو أزجره، أو أعاديه، بحسب الحالة، حتى من كان رافضياً، أو خارجياً، أو معتزلياً، أو مؤولاً، أومعطلاً، فحتى هؤلاء كان للسلف الصالح فقه للتعامل معهم، فليسوا على حالة واحدة، وعلى وتيرة واحدة، مع أن الأصل أن يهجروا، ويعزروا، ويؤدبوا إلى آخره، وإن ذلك يختلف بحسب الحال والظروف، وبحسب ما يحيط بالدعوة عموماً، فلا بد أن تكون الأمور منضبطة، وأنا بهذه المناسبة أقول: إن الأمة التي كتابها واحد، ورسولها واحد، وقبلتها واحدة، ومنهجها واحد، وهو منهج أهل السنة والجماعة، فكيف تختلف؟! وكيف تنشأ الاختلافات بينها؟! فيجب أن نتجرد عن الهوى، وإذا تجردنا عن الهوى، وعن حب النفس، وعن الحسد، وعن الغل الذي قد يلقيه الشيطان بين الشباب لبعضهم، فإننا سنجد أنفسنا إخوةً متحابين، كما قال الشاعر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا

إذا نظرت إلى أخيك نظرة المحبة -مهما كان فيه من أخطاء- فإنك تتسامح معه فيها، وإذا نظرت إليه نظرة العداوة فإنك لا تقبل محاسنه، بل تصبح محاسنه مساوئ، فيجب علينا أن نصحح هذه النظرة، فالأصل هو الاجتماع لا الافتراق، والأصل هو التعاون لا التنافر والاختلاف، والأصل هو المحبة لا البغضاء.

ولقد ضرب الله مثلاً عظيماً في سورة يس: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس:٢٦ - ٢٧].

سبحان الله! آذوه ولم يؤمنوا بما قال بعد أن كذبوا بالأنبياء قبله، ومع ذلك لما دخل الجنة، قال: ياليت قومي يعلمون، أي: لو علموا ما أنا فيه من النعيم لآمنوا مثلي، فهو يحب الخير لهم، مع أنهم مخالفون له؛ فكيف بإخوانك المسلمين؟! وأنا أقول هنا: إن المهمة تقع على عاتق المربين والموجهين للشباب، فيجب عليهم أن يوجهوا الشباب جميعاً إلى المحبة والائتلاف، وخاصة -كما ذكرت- ما يتعلق باختلاف التنوع الذي لا بد أن يقع؛ لأنه سنة هذه الحياة فيجب أن تتسع له أذهاننا وآفاقنا، وأوسع وأشمل منهج هو منهج أهل السنة والجماعة؛ لأنه هو منهج الإسلام، وهو حقيقة الإسلام الفطري الشامل الذي يتسع لكل النفوس، ولكل الإمكانيات، ولكل التطلعات، فيشبعها جميعاً بلا تنافر وبلا تناقض أو تضاد فيما بينها.