للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[مثال للأعراف القبلية التي تحكم من دون الله]

أحببت أن أعرج على وثيقة قديمة في منطقة غامد وزهران الواقعتان في الجزيرة العربية حتى تطلعوا على شيء مما كان يوضع أو يجعل ليتحاكموا إليه، وربما يوجد في مناطق أخرى ما هو أشد منها، وهذا نموذج فقط للوثيقة المكتوبة، فلم تكن مجرد قانون عرفي وإنما كانت قانوناً مكتوباً.

وهذه الوثيقة كتبت عام (١٢٦٠هـ) تسمى (الشدّة) بمعنى: العقد والمعاهدة، وهي تعتبر نموذجاً لفكر يعتبر راقياً، وفيها شيء من الأحكام الشرعية ونوع من حفظ الحقوق بالإضافة إلى مخالفات واضحة كما لا يخفى.

أولها يقول: 'الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، لقد تحاضر جماعة من المسلمين ممن يأتي أسماؤهم -ثم ذكرت الأسماء- وإنه عهد موروث حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين، ما دام الله يُعبد، والماء يورد، والغراب أسود، والناس تصلي على محمد'.

وهذا من قوة التأكيد في العهد بين القبيلتين، إلى أن ذكروا بعض الأحكام، وأولها قولهم: 'يعامل المثل بالمثل في كل شيء' وهذه قاعدة صحيحة ما لم تخالف نصاً شرعياً، أي: بالنسبة للأسواق والمعاملات التجارية يُعامل المثل بالمثل.

وتقول: 'والسوق من المتكفلات يكفل الجار جاره والسبيل والمتبع والضيف، يكفل كل من يهبط فيه'.

كان النظام عندهم أن السوق يكفل كل من يهبط فيه، فإذا كانت قرية من القرى سوقها يوم السبت، وقرية سوقها الأحد، فالقرية التي سوقها يوم الأحد يكون كل ما يُراق من دماء أو يقع من مشاكل أو سرقة أو أي مشكلة في حدود هذا السوق وما حوله، فهو في ضمان وكفالة القبيلة التي فيها السوق، أي: عليها أن تحمي الجار والضعيف وتأخذ الحق للمظلوم حتى تخرجه من حدودها إلى حدود القبيلة الأخرى فينتهي دورهم 'إذا هبط إلى سوق آخر' وهبط بمعني: تسوق.

والشاهد قولهم: 'والمقروعات والمشتبهات فيها قول عارفة'.

فكانوا يتحاكمون إذا اشتبهت الأمور إلى قول عارفة، وهو رجل صاحب خبرة، فإذا اشتبهوا في مكيال أو ميزان أو في أمر من الأمور أتوا بهذا الرجل، فإذا حكم بينهم ألزم الناس به، ومضوا عليه.

إلى أن يقول في هجرة الجار: 'ذنبه على جنبه'.

كان عندهم نظام الجوار، والإنسان إذا قتل أو ارتكب أي مصيبة في بلده يجار عند قبيلة تحميه، فينزل في هذه القبيلة ويعيش حتى يصبح من أهلها وينسى أصله القديم، فإذا فعل شيئاً فذنبه على جنبه.

أي: فليس له قبيلة تدافع عنه، ولا أحد يحاكم عنه، لكن لو اعتدي عليه فإن القبيلة تكفله كما لو كان من أبنائها، ثم يقول: ' فالذي يخدم بماله دون رجاله فله (٦٥ ريال) ومآكلها ذبيحة وبيضاء من عراق'.

أي: بأن الإنسان الذي يخدم ضيفه أو يعطي أي شيء في مناسبة: ' فينشرون له البيضاء' أي: قماش أبيض يرفعونه في السوق، ويقولون: هذه البيضاء لفلان، علامة على أنه فعل جميلاً وأكرم الضيوف وفعل وفعل، ويتنافس الناس في رفع الراية البيضاء.

ثم يقول: 'ومن نقى غير علق ولا دعاية فله البيضاء، وهي رأسان من القماش'.

والرأس هو الطاقة الكاملة، ومعنى هذا الكلام: أنه إذا أجرم شخص وعمل مصيبة من غير ما علق، والعلق هو أن يضع الشخص رهناً أو (معدالاً) كما يسمونه، فإذا جاءت جماعة وشكت من فلان واتهمته فإن هذا الرجل يأخذ أغلى ما عنده، وغالباً أغلى ما عندهم هو السلاح، فيضع ذلك السلاح عند القبيلة وقد تأخذ منه القبيلة أكثر من ذلك أو أقل، ثم بعد ذلك إما أن يحاموا عليه وإما أن يخرج من الفضيحة بريء، فإذا أخطأ أتى أمام الناس -ويكون ذلك غالباً في السوق- فيضرب نفسه بالجنبية أو بأي شيء حتى يعاقب نفسه بنفسه، فتقول له الجماعة: يكفي وقد اعترفت وعَرفْت الحق بنفسك، فإذا فعل ذلك نشروا له البيضاء.

يقول: 'سبعة رءوس مطابيح' يحدد القماش، حتى لا يكون فيه فرق بين قبيلة وأخرى أو بين سوق وآخر.

' سبعة رءوس مطابيح مردوفة'، من نوع القماش الذي يسمونه المضرم الذي لونه داكن، والذي يفعل منه خرائط الدقيق يذكر اللوازم إذا عزر أحداً وذبح أحد ' وقوانينها سمنها ولبنها وذبائحها تبعها، فالذي يذبح ضيفه لأجل أن يأخذ ماله فلا له وقا ' والوقا هو: الجوار، أي: لا يجاور أحداً، وهذا بخلاف ما لو قتل شخصاً كائناً من كان ثم التجأ إلى واحد من الجماعة فإن له الوقا، والقبيلة تحميه.

أما إذا نزل بإنسان ضيفُ فقتل الضيف من أجل أن يأخذ ماله، فهذا ما له من وقا، ولا يجوز لأحد أن يحميه، ولا بد أن تعاقبه القبيلة، وهذا من تقديرهم للضيف، وهي عادة عربية قديمة وإسلامية ما تزال والحمد لله.

يقول: ' ولا له في ماله شيء 'وحكمه أن تأخذ القبيلة ماله الذي أخذه من الضيف، والذي له فتتحكم فيه.

'والذي يبيع رفيقه فلا فيه وجه' الوجه نفس الالتجاء، ومعنى ذلك أنه لو كان هناك اثنان في قبيلة ما ثم جاء رجل من قبيلة آخرى وهجم عليهما فمن لم يقاتل مع رفيقه ويدافع عنه فإنه قد باع رفيقه، فما له وجه عندهم ولا أحد يحميه ولا له قيمة، وفي هذا حكم من أحكام الجاهلية التي كانت موجودة عندهم، إذ أن الرفيق قد يكون هو الظالم أحياناً وهو المعتدي، فهم لا يفرقون في ذلك بين الظالم والمظلوم، والمعتدى عليه في عرضه أو ماله، فإذا قامت الحرب عندهم أو دعى الداعي فيجب أن يكون الرفيق مع رفيقه حتى الموت، وكذلك في أمر الشهادة: فإن الواحد منهم لا يشهد على رفيقه أبداً، وأقل أحواله أنه يسكت، فإن شهد عليه -شهادة حق- فماله وجه عند الجماعة أبداً، فهكذا العرف الجاهلي نسأل الله السلامة والعافية.

ثم يقول: 'والبير التي على الطريق فعلى راعيها إما دفنها، إلا يهب عليها شهود أقران، وإلا يحمل ضررها' أي: ضرر البئر التي على الطريق.

'والهيماء من الإبل والجمل العادي، والثور النطاح، وليس معه قائد يحمل ضرره، والضمان يلزم لكل شيء'.

وهذه قاعدة من قواعد العرب، وباب من أبواب الشرع، فلا شك أن الضمان باباً من أبواب الشرع، لكن قد لا يضمن، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ' المعدن جبار، والعجماء جبار'، فهذه لا يضمن فيها شرعاً، فليس على الرجل في الشرع أن يضمن العامل، فلو أنك اتخذت عاملاً يبني لك بناء، فسقط من أعلى البناء، فليس عليك شيء شرعاً، وكذلك لو أنك اتخذت عامداً؛ لاستخراج المعادن، فوقع المنجم على العامل فيه، فمات، فليس عليك شيء.

ذوالبئر جبار أيضاً، -هدر في الشرع- بمعنى إذا كان لديك بئر، ووقع إنسان فيها، فليس على صاحبها شيء، ما لم يكن هناك تفريط.

وكذلك العجماء جبار، والعجماء هي الدابة وجبار أي: هدر، ما لم يكن منك تفريط، فلو أن إنساناً لديه دواب وجمال أو ثيران أو ما أشبه ذلك، فوقعت معركة أو مشكلة بين هذا الجمل وبين شخص بين الناس، وأكله الجمل، أو نطحه الثور فمات، أو رفسه الحمار أو البغل فمات، فإنه ليس على صحابه شيء شرعاً، ما لم يكن تعمد الاعتداء أو الإضرار، أو كان هناك تفريط معين.

إذاً: هذه الأمور في الشرع تعتبر هدراً ليس فيها شيء، فلا يضمن أصحابها، لكن هؤلاء الأعراب كانوا يخالفون، وهذا مثل القوانين الحديثة، فهي تلزم صاحب العمل، وتغرِّمه بذلك.

يقول: ' وإن ذُبح المستعمل -أي: الشغال الأجير- فعلى الذي استعمله نصف الدية، وإن كان بعيداً من طرف الجماعة، فعليهم -أي: القبيلة- الدية ' أي: إذا قُتل أو ذُبح شخص في داخل القبيلة، فنصف الدية على صاحب العمل الذي أتى به ليعمل عنده، وصاحب العمل ليس له أي ذنب في ذلك، قالوا: وإن كان بعيداً عن طرف الجماعة، فعلى القبيلة الدية.

'وإن أخذ أو احتاج دية للجماعة فللجماعة ثلثها، فإذا جاء شخص وأخذ دية شخص أجير قُتل في قبيلة ثانية، فالجماعة -جماعة الذي أخذ الدية- لها ثلثها، إن كان من سد الريع'والريع: هو الذي نسميه الآن: الجبهة، وفي الحدود بين الدول المتقاتلة، والقبائل المتحاربة.

' فإن كان من سد الريع'يعني وقع من الجبهة، أي: من المقاتلين الأعداء، هذا الحكم.

وما كان داخل قبيلة فله حكم آخر، وإن كانت الدية من الجماعة، فلإقاربه الثلث، والثلثين للجماعة.

ثم يقولون: ' والرجل إذا قتل واجتلى'.

وهو الذي نسميه الآن لاجئ، أي: ترك دياره ورحل إلى ديار بعيدة، فإن اصطلح على ديته الجماعة أو القبيلة فعليهم الحساب من ثمار بلاده، فيضعوا يدهم على البلاد ويحاسبوا، هذا إذا كانت القبيلة هي التي دفعت الدية لرجل من خارج القبيلة، فيزرعون بلاده، ويجمعون الدية ويعطونها القبيلة، ثم يستردون الدية من ثمار بلاده، باعتباره قد انتقل ولم يعد يعرف ولا يعلم أين هو، أي: لا نستطيع أن نأخذ منه أي شيء.

' وإن خلصوا بقتل' أي: اصطلحوا بقتل ' فثمار البلاد تُحمَّل إلا أن يكون قتل خطأ، فلا لهم حساب ' وهذه من أحكام الجاهلية والعياذ بالله، ومن الجور الذي نهى عنه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأمرنا بالعدل ولو كان ذا قربى وما ذكرناه هو كمثال فقط.

وفي هذا شبه بالأحكام الدولية وتعامل الدول بعضها مع البعض، وكذلك هنا تجد الأحكام التي تتعلق بالقبيلة مع القبيلة، والأحكام الجنائية، وأحكام المعاملات وتشمل الأحكام التجارية كما في كلامهم عن السوق وغيره، وتشمل الأحكام العمالية كما في أحكام المستأجر والأجير إذا قتل.

فأحكام تلك المجتمعات وتقاليدها وقوانينها وقواعدها بحسب عصرها يمكن أن تعتبر قوانين متكاملة، أو مسودات قوانين جاهزة.

فهذه الوثيقة نموذج من الأحكام التي كانوا يتحاكمون إليها وربما كان عند بعض القبائل ما هو أسوأ وما هو أشد من ذلك، ومما عرفناه من كبارهم أنهم يحكمون في السارق أحياناً بأخذ ربع ماله إذا سرق ولا حدَّ عليه، أو يرهن رهينة معينة، وإذا وقع الزنا من إنسان وثبت عليه فإنه أيضاً يفتدي ببلاد أو بمال من المجني عليهم، وهكذا فحتى الحدود فقد كانت لديهم أحكام وكانت لديهم قوانين يرجعون لها.