للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[أثر الإيمان في حياة الرسول والصحابة]

كيف كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعيش؟! وكيف كان كسرى يعيش؟! وهل هناك مجال للمقارنة؟! رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سيد ولد آدم، وأفضل الخلق عند الله وأحبهم إليه، ومع ذلك يربط الحجر على بطنه من الجوع، ويمكث الشهر والشهرين ولا يدخل بيته إلا الأسودان (التمر والماء) ولم يشبع من خبز الشعير، ولم يجلس على خوان قط (على مائدة) كما جلس من بعده.

ولو قرأنا سيرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومنها صورة أصحاب الصفة؛ لوجدنا العجب العجاب!! كيف كان الصحابة الكرام يعيشون؟! وكيف كان أهل الصفة يعيشون؟ كيف كان الناس وكيف كانت حاجتهم في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! بل إن هذا الحديث الذي قاله النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {ما الفقر أخشى عليكم} قد ذكره؛ لأن الصحابة الكرام بلغهم أن أبا عبيدة قد قدم بمال من هجر، فاجتمعوا -الحاجة جمعتهم، وهذه الحالة الاقتصادية لو قورنت بوضعنا اليوم؛ لقلنا: إنها مجاعة، ومع ذلك فهذه كانت حياته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذه حياة أصحابه.

فكيف كانت حياة كسرى؟! وماذا نقول عن حياته نذكر فقط بعض ما قاله المؤرخون عن حياته وبعد أن هزم ودخل سعد بن أبي وقاص المدائن، ودخلوا الإيوان (القصر الأبيض) وهم يذكرون الله شاكرين حامدين يقولون: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان:٢٥ - ٢٧] فلما دخلها سعد رضي الله عنه كيف كان حال كسرى؟! يقول بعض المؤرخين: لما دهمه المسلمون ورأى أن المدائن ستسقط، ولا حيلة له ولا مفر، اصطحب معه ما خف من متاعه وشهواته، فما هو هذا الخفيف؟ اصطحب ألفاً من الطباخين والطهاة -فقط- وترك الباقي، وأخذ معه ألفاً من البزاة -الذين يعلمون الجوارح والصقور وغيرها لتصطاد لهم- ومن الجواري نحو ذلك؛ وحملوا من النفائس ألف حمل أو ما أشبه ذلك، هذا فقط وهو هارب أخذ الشيء الكثير والعجيب، ليهرب به من وجه هؤلاء المؤمنين وترك من الكنوز العظيمة التي أورثها الله لأمة الإيمان تطبيقاً لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {ما الفقر أخشى عليكم} وتطبيقاً لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله} انظروا لم يقل: لتستثمرن أموالهما لتنمية أو لتحسين أوضاع المسلمين، لا، وإنما لتنفقن في سبيل الله، ولذلك ورث المسلمين هذه الكنوز، وأنفقت في سبيل الله، فإذا كان هذا حاله وهو هارب، فكيف حاله وهو مقيم؟! فهذا طاغوت الضلال الذي مزق كتاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هذه حياته وتلك حياة خليل الله وحبيبه وصفيه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.