للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[التوسل]

قال الإمام الطحاوي: 'ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم'.

قال المصنف:- "وعلى المؤمن أن يعتقد هذا الذي قاله الشيخ رحمه الله في حق نفسه وفي حق غيره، قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} [الإسراء:٥٧] وقال تعالى: {فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:١٧٥] وقال تعالى: {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [البقرة:٤١] {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة:٤٠] {فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْن} [المائدة:٤٤] ومدح أهل الخوف فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون:٥٧ - ٦١].

وفي المسند والترمذي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: {قلت: يا رسول الله، {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَة} [المؤمنون:٦٠] أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه} قال الحسن رضي الله عنه: [[عملوا -والله- بالطاعات، واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحساناً وخشية، والمنافق جمع إساءةً وأمناً]] انتهى.

وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:٢١٨] فتأمل كيف جعل رجاءهم مع إتيانهم بهذه الطاعات، فالرجاء إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله تعالى وشرعه وقدره وثوابه وكرمه، ولو أن رجلاً له أرض يؤمل أن يعود عليه من مَغَلِّها ما ينفعه، فأهملها ولم يحرثها ولم يبذرها، ورجا أنه يأتي من مَغَلِّها مثل ما يأتي من حَرَثَ وزَرَع وتعاهد الأرض، لَعّده الناس من أسفه السفهاء، وكذا لو رجا وحسن ظنه أن يجيئه ولد من غير جماع! أو يصير أعلم أهل زمانه من غير طلب علم وحرص تام! وأمثال ذلك، فكذلك من حَسُن ظنه وقوي رجاؤه في الفوز بالدرجات العلى، والنعيم المقيم من غير طاعة ولا تقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه' ا.

هـ.

الشرح: يقول المصنف رحمه الله تعالى: 'على المؤمن أن يعتقد هذا الذي قاله الشيخ في حق نفسه وفي حق غيره' فذكر ما نعتقده في غيرنا من الناس، سواءً المؤمن منهم والمحسن، أم المسيء والفاجر، فيضيف المصنف ويقول: هذا ما نعتقده في حق أنفسنا وفي حق غيرنا، والإشارة ترجع إلى الخوف والرجاء وعدم الأمن وعدم القنوط، فنحن لأنفسنا نعتقد ذلك، فنخاف الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ونخاف ذنوبنا، ولكن نرجو رحمة الله ومغفرته، وإذا عملنا عملاً صالحاً نخاف أن لا يقبله، ولكن نرجو أن يتقبله؛ لأنه لا يضيع أجر من أحسن عملاً، فيكون حالنا بين الخوف والرجاء.