للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[تعلق بعض المنتسبين للعلم بخبر أبي مجلز]

قال: 'فكتب أخي السيد محمود محمد شاكر بمناسبة هذين الأثرين ما نصه: اللهم إني أبرأ إليك من الضلالة، وبعد: فإن أهل الريب والفتن ممن تصدروا للكلام في زماننا هذا، قد تلمس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله، وفي القضاء في الدماء والأعراض والأموال بغير شريعة الله التي أنزلها في كتابه، وفي اتخاذهم قانون أهل الكفر شريعة في بلاد الإسلام، فلما وقف على هذين الخبرين، اتخذهما رأياً يرى به صواب القضاء في الأموال والأعراض والدماء بغير ما أنزل الله، وأن مخالفة شريعة الله في القضاء العام لا نكفر الراضي بها، والعامل عليها'.

يشير الشيخ محمود إلى ما وقع فيه كثير ممن ينتسبون إلى العلم، وهذه مأساة وقعت، وخاصة في مصر ابتدأها الاستعمار وأعوانه من أيام دولة محمد علي باشا بما يسمونه (قانون القناصل) ثم توسع القانون فأنشئت محاكم أهلية، ومحاكم أجنبية، ومحاكم ملية، وتوسع في الأمر لما جاء الإنجليز وجاء كرومر وجاء الشيخ محمد عبده، فأخذ يمهد لتنظيف القانون الفرنسي، وجاء تلميذه مصطفى المراغي فزاد الطين بلة -نسأل الله العفو والعافية- والمراغي هو الذي قال للجنة وضع القوانين: ضعوا أي تشريع أو قانون ترونه مناسباً للمصلحة وللعصر واكتبوه وأنا أُخرِّجه لكم من أي مذهب من المذاهب الفقيهة، فهكذا أصبحت الجرأة على الله إلى هذا الحد يخرجه إما على قول ضعيف، أو على قول راجح لكنه على مذهب خطأ، أو حتى على قول من أقوال العلماء الشاذة، أو قول من أقوال من لا يعتد بخلافهم كـ الإمامية الإثنى عشرية، ولذلك من الأشياء الطريفة التي ذكرها الشيخ محمد أبو زهرة أنهم كانوا لا يعترفون بالمذهب الحنبلي، ولو رجعنا إلى كتاب الجبرتي في تاريخ مصر وهو أشهر كتاب في تاريخ مصر، وكان صاحبه حنبلياً، وكان يثني في كتابه على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلى رسائل الأئمة، ويذكر قصص الخرافيين والمشركين، فالكتاب فيه فوائد من هذا الجانب، فالمذهب الحنبلي كان موجوداً لكن من كراهيتهم له لا يذكرونه، ويقولون: إنه كما قال الطبري وأمثاله: أحمد بن حنبل ليس فقيهاً، وإنما هو محدث، وكذلك ابن رشد في بداية المجتهد وغيره يذكر الفقهاء الثلاثة ولا يذكرون إلا مذهب أهل الحديث عامة إن ذكروه، فيجعلون الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه والبخاري ومسلم وأمثالهم، إما من أتباع أحد المذاهب الثلاثة، وإما من أهل الحديث في الجملة ولا يذكرون المذهب الحنبلي.

والشاهد من ذلك أنه جاء في موضوع الزواج، وهم يريدون فرض القانون الفرنسي الذي لا يبيح للرجل أن يتزوج أكثر من زوجة، وهذا هدف عظيم للاستعمار، فهو يسعى إلى إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا وأمر آخر: هو تقليل نسل المؤمنين، وخاصة في إفريقيا كما يقولون.

فـ النصرانية المحرفة أخذوها وأرادوا أن يفرضوا القانون الخبيث في بلاد المسلمين، فوجدوا أن المذهب الحنبلي يجيز للزوجة أن تشترط ألاَّ يتزوج الزوج عليها، فأخذوا به وجعلوها في قانون الأحوال الشخصية، قالوا: ورجعنا أيضاً إلى المذهب الحنبلي وأخذنا منه اشتراط ألاَّ يتزوج عليها، وهذا دليل على أن المذهب الحنبلي فيه مرونة، وأنه يناسب العصر ويصلح أن يستفاد منه.

فالمقصود أن هؤلاء الناس خبثاء، ويتكلم الشيخ محمود شاكر عن هؤلاء، حيث أنه كان يرى واقعاً مؤلماً، فأي أمر يُعرض فيه أمر لتطبيق الشريعة، فيقولون: هل تريدون أن تكون الشريعة مصدراً رئيسياً، فيقول الدعاة والمشايخ وأمثالهم: لا.

بل نريد أن تكون المصدر الرئيسي، وقامت على ذلك المشاكل طوال الدهر، هل هو مصدر رئيسي أو المصدر الرئيسي، فلجنة تضع المسودة، ولجنة تلغي المسودة وهكذا أربعين سنة أو أكثر، والأمر لم يتغير فيه شيء، ولم يطبق من أحكام الله أي شيء، وكأن القضية قضية الألف واللام، نكتب "أل" أو لا نكتب "أل"، والقضية قطعاً ليست كذلك، وإنما هذه قلوب لا تريد أن تذعن لله ولا تؤمن بالله حق الإيمان، ولا تريد أن تستسلم لحكم الله كما ذكر الله: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [النساء:٦٥] فهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به، كما ذكر الله عز وجل، ولذلك يجعلون القضية -قضية اللجنة- أن المسودة لم تكمل، وعندما أكملت المسودة بعد سنين، قالوا: يعرض على المجلس، فإذا عرض على المجلس قالوا: نجعل الشريعة مصدراً رئيسياً وليست المصدر الرئيسي، سبحان الله!! ولو فرضنا أنها المصدر الرئيسي، فمعنى ذلك: أن هناك مصادر ثانوية -فمثلاً-، لو قلنا: إن كل شيء لله، وكل شيء نعبد الله فيه ونطيع الله فيه إلا ثلاثة أو أربعة أمور نعصي الله فيها، ونأخذ غير شرع الله، ونستمدها من التوراة أو من الإنجيل أو من الياسق، فحكمنا فيها حكم من أخذ البعض وترك البعض، فسيكون قد ترك الكل، لكنهم أشغلوا الأمة بهذه الأمور، فإذا جاء من يطالب بإقامة حكم الله ودين الله، قالوا: هذا متطرف، وهذا عميل، وهذا متخلف، ورجعي، وضد التطور، وضد التحرر، ويحتجون عليه بعلماء السوء، فالشيخ شاكر كان يكتب هذا وهو يعانيه ويعيشه.