للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[تفسير قوله تعالى: (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن)]

يقول تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق:١٢].

أي: الله المعبود المستحق للعبادة هو من هذا خلقه، لا ما يشرك معه.

قال الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: قوله تعالى: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن) جاء في بيان السماوات أنها سبع طباق، وأنها سبع سماوات بعضها فوق بعض قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا} [الملك:٣] كذلك بين الحديث أن ما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام.

وجاء لفظ السماء مفرداً وجمعاً، فالمفرد كما في قوله: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس:٥] وقوله: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} [البقرة:٢٢]، أما الأرض فلم يأت لفظها إلا مفرداً، ولم يأت تفصيلها كتفصيل السماء بأنها سبع طباق.

يعني أن الملاحظ في القرآن الكريم أن لفظ السماء قد أتى بصيغة الجمع، وفصل أنها سبع سماوات طباقاً بعضها فوق بعض، أما الأرض فلم يأت فيها ذلك، ومن ثم اختلف في المثلية، في قوله تعالى هنا: (وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)، ما المقصود بهذه المثلية؟ جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها مثلية تامة من كل الوجوه، بمعنى: أنها مثلية من ناحية العدد، والطباق، والخلق، ((اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)) يعني: أن الأرض مثل السماوات في كونها سبعاً، فهي سبع أرضين، وهي طبقات بعضها فوق بعض، فهي مثلهن خلقة، يعني: خلقت كما خلقت السماوات.

وقيل: (ومن الأرض مثلهن) أي: عدداً وأقاليم تفصلها البحار، وكأنه إشارة إلى القارات السبع، فإنها يفصلها البحار، فهي من حيث العدد سبعة أقاليم تفصلها البحار.

وقيل: المقصود بكون الأرض سبعاً مثل السماوات أن نفس الكرة الأرضية مكونة من طبقات كطبقات البصلة، فالبصلة تتكون من طبقات متراكبة بعضها فوق بعض، فكذلك الأرض مكونة من سبع طبقات.

وحاول بعض العلماء توجيهها بصورة أخرى، وهي أن هذه المثلية هي مثلية في الخلق، كما سنبين ذلك في كلام القاسمي إن شاء الله، لكن توجد أدلة تدل في السنة على وصف الأرض بكونها سبع أرضين.

قال الشيخ عطية سالم: إن من أوجه البيان إذا لم يوجد في الكتاب ووجد في السنة شيء يبين ما أجمل في الكتاب، فإنه ينبغي تبيينه بها؛ لأن السنة وحي أيضاًً، وقد جاء في السنة أن الأرض سبع أرضين، كما في حديث: (من اغتصب من الأرض قيد شبر طوقه من سبع أرضين) متفق عليه، وفي صحيح مسلم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أخذ شبراً من الأرض ظلماً فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين).

وفي حديث موسى لما قال: (يا رب! علمني شيئاً أدعوك به، فقال: قل: لا إله إلا الله، فقال: يا رب كل الناس يقولون ذلك.

قال: يا موسى! لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة؛ لمالت بهن لا إله إلا الله) رواه النسائي.

فهذه الأحاديث الصحيحة أثبتت أن الأرضين سبع، ولم يأت تفصيل للكيفية ولا للهيئة.

يعني أن السنة دلت على وصف الأرض بكونها سبعاً، لكن لم يأت في الوحي الشريف ما يفصل الكيفية أو الهيئة.

يقول: فثبت عندنا العدد ولم يثبت غيره، فنثبته ونكل غيره لعلم الله تعالى.

أي: فنثبت هذا العدد كما هو، أما المقصود بسبع أرضين فنكل العلم في ذلك إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن الوحي لم يفصل الكيفية.

قال: ومما يؤيد ثبوت العدد على سبيل الإجمال، أن مثلية الأرض للسماء لم تذكر إلا عند ذكر السماء مجملة مع ذكر العدد، وهذا هو الموضع الوحيد الذي وصفت فيه الأرض بأنها خلقت مثل السماوات، وقد ذكرت السماء مجملة، وكذلك ذكرت الأرض مجملة، ولم يذكر عند تفصيلها الطباق مما يدل على أن المراد من المثلية العدد، فالله قال: ((اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)) ولم يقل: {سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا} [الملك:٣]، فما خصص كلمة (سماوات) لكن ذكر العدد، وهذا يدل على أن المقصود بالمثلية العدد.

وقيل: إن هذا لا يتنافى مع إفراد اللفظة؛ لأن جمعه شاذ، يعني أنه لم يقل: ومن الأرضين، لأنه جمع شاذ، قال ابن مالك في الخلاصة: وأرضون شذ والسنون وقد أشار تعالى إلى أن هناك من حالات الأرض والسماء ما لا يعلمه الخلق، كما قال عز وجل: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ} [الكهف:٥١] فما لم يبين لنا ويفصل فيعتبر تفصيله من التكلف، {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص:٨٦].

فالبشر لا يزالون عاجزين عن معرفة كيفية خلق أنفسهم، إلا تفصيلات جزئية، والمهم من السياق والغرض الأساسي منه: تنبيه الخلق على عظم قدرة الله تعالى.

يعني أن المقصود من الآية تنبيه الخلق إلى عظم قدرة الله سبحانه وتعالى لقوله: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} هذا هو المقصود، وهذا يحصل بالتدبر في هذه الآيات التي تدل على قدرة الله تبارك وتعالى، مع أننا نكل علم التفاصيل التي لم تتبين لنا إلى الله عز وجل وحده.

يقول القاسمي في هذا الموضع: قال الزمخشري: قيل: ما في الأرض آية يفهم منها أن الأرضين سبع إلا هذه الآية، وهذه الآية ليست صريحة بصورة قاطعة.