للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

حفظ اللغة، فإذا أدرك من تلك اللغة فصاحة ورونقاً، ورأى تلك الآداب والعوائد والمعارف قائمة على أساس الحكمة، واستحسان العقل الصحيح، ترقى فوق ذلك إلى مكان التقرب منهم بفؤاده، والتحم معهم بجامع التحابب التحام الأنامل بالراحة.

وربما ينتقل الإنسان إلى بلد لا يعرف لغة أهلها، فيوقعه سوء التفاهم مع أولي القوة منها في خطر لا يجد للخلاص منه طريقاً.

روي أن زيد بن عبد الله بن دارم الحجازي دخل على ملك حِمير في مدينة ظفار، وهو جالس على مكان مرتفع، فقال له الملك: ثِبْ؛ أي: اجلس، في لسان حمير، ومعناها في لسان أهل الحجاز: اقفز، ففهمها الأعرابي على مقتضى لغته، وقفز، فتكسر، واندقت رجلاه، فسأل الملك عنه، فأخبر بلغة أهل الحجاز، فقال: ليس عندنا عربيت (١)، من دخل ظفار، حمر، وفي رواية: أما علم أن من دخل ظفار حمر؛ أي: تعلم اللغة الحميرية. ولا نفهم من هذا أن استحسان تعلم الوارد على البلد لغة أهلها يختص بالضعيف الذي لا يستطيع الدفاع عن حقوقه، بل إذا كانت القوة والسلطة للوافد عليهم، تأكد في حقه أيضاً بموجب فضيلة العدل أن يتعلم من لغة المحكومين؛ لئلا يفضي به سوء التفاهم معهم إلى خطيئة ظلمهم، والقضاء عليهم، بغير ما يستحقون.

والتوافق في اللغة مما يزيد العلائق التي تؤلف الناس في نظم الاتحاد قوة ووثوقاً، ولهذا ترى الداعي إلى الوحدة الوطنية يسعى في تعليم لغة الوطن، وتعميم نشرها؛ حتى تكون هي اللغة الجارية في خطاباتهم وتحريراتهم على


(١) أراد: عربية، لكنه وقف على هاء التأنيث بالتاء، وكذلك لغتهم.