للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ونحن إذا قسنا حال المرأة في الجاهلية بحالها بعد نزول الوحي، عرفنا أن ما بيّنه الرسول الأكرم من حقوقها مبدأ من المبادئ التي عني بها الإسلام، وأخرج بها العالم من همجية قاسية إلى مدنية راقية فاضلة.

* حكمته البالغة في السياسة:

لا يسعني المقام أن أطرق هذا الموضوع بشواهد كثيرة، وإنما أورد واقعة واحدة هي واقعة الحديبية؛ فإن في هذه الواقعة لآية على أن نظر محمد ابن عبد الله في السياسة لم يكن وليد أرض تهامة، إنما هو وليد تعاليم ينزل بها الروح الأمين من فوق سبع سماوات.

خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة في ألف وثلاث مئة مسلم من المسلمين، قاصداً زيارة البيت الحرام، لا يريد قتالاً، فبلغ المشركين بمكة خبره، فخرجوا ليصدوه عن الزيارة، فنزل بأقصى الحديبية، وسبقه المشركون، فنزلوا بأعداد مياهها (١)، ودارت الرسل بينه وبينهم، وانتهى الأمر على عقد صلح تمسكوا فيه بشروط لم يكن من رسول الله إلا أن قبلها. ومن أشد هذه الشروط على المسلمين: أن المشركين أبوا أن يخلُّوا بين النبي وبين البيت في ذلك العام، وإنما رضوا أن يأتيها في العام المقبل، وأخذوا عليه أن من جاءه من المشركين يرده عليهم، وهم إذا جاءهم أحد من المسلمين، لا يردونه عليه.

نرى في هذه الواقعة أن المسلمين امتعضوا من عقد هذا الصلح، ورأوا في شروطه ما يمس كرامتهم، ويخدش عزتهم، حتى بلغ بعمر بن الخطاب أن قال لرسول الله: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى": قال:


(١) الأعداد: جمع عِدّ - بكسر العين -, وهو الماء الذي له مادة لا تنقطع.