للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الواردة في خطاب الرجال تتعداهم إلى النساء، والأحكام الواردة في خطاب أشخاص بأعيانهم تتعداهم إلى سائر من هو أهل للتكليف، كما هو في علم أصول الفقه، فكل خطاب منه - صلى الله عليه وسلم - لواحد فيما يفتيه به، ويعلمه إياه، هو خطاب لجميع أمته إلى يوم القيامة (١).

وهناك نظم توضع لضبط الأعمال في نحو الدوائر الحكومية، والمؤسسات العلمية، أو الخيرية، وهذه هي التي قد يستخف فيها بقاعدة المساواة، ويراعى في وضعها منافع بعض الطوائف أو الأشخاص، فتجد غير المخلص فيما ألقي إليه من إدارة بعض الشؤون العامة، يتصرف في تلك النظم على حسب ما يوافق هواه، ويرضي أشياعه.

وأما المساواة في القضاء، فهي أن يتجه القاضي إلى القضية في نفسها قاصراً النظر على تفهم البيانات، وتعرف حكم الشارع الذي ينطبق عليها، دون أن يكون لشخصية المتخاصمين من أثر في مقطع الحكم؛ كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في رسالة القضاء إلى أبي موسى الأشعري: "وآسِ بين الناس في مجلسك ووجهك وعدلك".

لطم جبلة بن الأيهم رجلاً من بني فزارة وَطِئَ إزارَه وهو يطوف، فهشم أنفه، فاستعدى الفزاري عليه عمر بن الخطاب، فقال لجبلة: إِما أن ترضي الرجل، وإما أن أقتص له منك، فقال جبلة: كيف وهو من السوقة وأنا ملك؟! فقال: إن الإسلام جمعك وإياه، فلست تفضله إلا بالتقى والعافية! ففَرَّ جبلة ليلاً، وعاد إلى نصرانيته.

سمعتُ بعض من يتحدث في السياسة ينقد فعل عمر هذا، ويَعُدُّهُ مخالفاً


(١) كتاب "الأحكام" لابن حزم.