للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الفقهاء في تقديرها، وكثير منهم يذهب إلى أن تقديرها مفوّض إلى نظر الإمام، قال أَبو الوليد ابن رشد (١) في "بداية المجتهد" (٢): وهو الأظهر. ويؤيده: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وضع على أهل الشام من الجزية أكثر مما وضع على أهل اليمن، وعلل مجاهد هذا التفاوت بيسار أهل الشام (٣).

وأما مصرفها، فإنها كسائر الفيء، وخمس الغنيمة، توضع في بيت المال، وتصرف إلى ذوي الحاجة، وفي وجوه المصالح العامة.

كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يولّي على قبض المال عمالاً، وإذا قدموا به، حاسبهم على ما قبضوا، وما صرفوا، تجد هذا في حديث العامل الذي استعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صدقات بني سليم، وفي الحديث: "فلما جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحاسبه" رواه الإمام البخاري في باب: محاسبة الإمام عمّاله، وقال الحافظ ابن حجر عند قوله: "وحاسبه": أي: على ما قبض وصرف (٤).

فإذا كان المال المفروض على الأمة في عهد النبوة مقدراً، والعامل عليه عالماً، ومتى جاء به، يناقش الحساب على القبض والصرف، ثم يُنفق في وجوه المصالح بتدبير، فهل يصح بعد هذا أن يقال: إن المالية لذلك العهد لم يكن لها نظام؟!.

فإن أراد المؤلف من النظام: أن يؤلف لها ديوان، قلنا: كان للنبي


(١) محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي (٥٢٠ - ٥٩٥ هـ = ١١٢٦ - ١١٩٨ م) الفيلسوف. من أهل قرطبة، توفي بمراكش، ودفن بقرطبة.
(٢) (ج ١ ص ٣٢٦).
(٣) "أحكام القرآن" للجصاص (ج ٣ ص ٩٨)، و"صحيح البخاري" (ج ٤ ص ٩٦).
(٤) "فتح الباري" (ج ١٣ ص ١٥١).