للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ومن حذقِ المؤلف في الخلابة (١) أن جعل كون النبي - عليه السلام - ذا رياسة سياسية، مما يعتقده المسلم العامي، قال هذا، وهو إنما يقصد تنفير قارئ كتابه من أن يكون بمنزلة العامة حيث يشاركهم في هذه العقيدة.

قال المؤلف في (ص ٥٠): "ولعله أيضاً هو رأي جمهور العلماء من المسلمين، فإنك تراهم إذا عرض لهم الكلام في شيء يتصل بذلك الموضوع، يميلون إلى اعتبار الإسلام وحدة سياسية، ودولة أسسها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكلام ابن خلدون ينحو ذلك المنحى؛ فقد جعل الخلافة التي هي نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا شاملةً للملك، والملك مندرج تحتها".

يزعم المؤلف: أن العلماء لم يصرحوا بدخول الرياسة السياسية في وظيفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما هو رأي العامة من المسلمين، وبعد أن فرغ من طريقته الشعرية، قال -كأنه لا يزال في تردد من كونه رأي أهل العلم -: ولعله أيضاً هو رأي جمهور أهل العلم ... إلخ.

يؤكّد لك أن المؤلف اتخذ من اسم "ملك" نافقاء (٢) يخرج منها إلى حيث يشاء: أنه قرأ ما يقوله العلماء في الخلافة من أنها نيابة عن الرسول - عليه السلام - في إقامة الدين وسياسة الدنيا، ولم يأخذ نفسه إلى الاعتراف بأن هذا صريح فيما يعتقدونه لمقام الرسالة من الرياسة السياسية، ونأى بجانبه عن هذا كله؛ حيث لم ينطقوا بكلمة: مُلْك، أو مَلِك، وإنما تعرض


(١) الخلابة: الخديعة برقيق الحديث. وفي الحديث: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل: "إذا بايعت، فقل: لا خلابة".
(٢) النافقاء: إحدى حجرة اليربوع، يكتمها، ويظهر غيرها، وهو أصل النفاق.