للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بَعُدْتَ ونفسي في لقاكَ تصيدُ ... فلمْ يُغنِ عَنهْا في الحنانِ قصيدُ

وخَلَّفْتَ ما بين الجوانحِ غُصَّة ... لها بَينَ أحشاءِ الضُّلوعِ وَقودُ

وأضحَتْ أماني القُربِ منك ضئيلةً ... ومُرُّ الليالي ضعفُها سيزيدُ

أتذكرُ إذا ودّعتنا صبحَ ليلةٍ ... يموجُ بها أنسٌ لنا وبرودُ

وهل كانَ ذا رمزاً لتوديع أُنسِنا ... وهل بعد هذا البينِ سوفَ يعودُ

ألم ترَ هذا الدهرَ كيفَ تلاعبَتْ ... أصاِبعُه بالدرِّ وهو نَضيدُ

إذا ذكروا للودّ شخصاً محافظاً ... تجلّى لنا مرآكَ وهو بعيدُ

إذا قيلَ: مَن للعلمِ والفكرِ والتُّقى ... ذكرتُكَ إيقاناً بأنْكَ فريدُ

فقل لليالي: جَدِّدي من نظامِنا ... فحسبُكِ ما قد كانَ فهو شديدُ

وكتب ابن عاشور تحتها:

وهذه كلماتٌ جاشت بها النفس الآن عند إرادة الكتابة إليكم، فأبثّها على علّاتها، وهي إنْ لم يكن لها رونق البلاغة والفصاحة؛ فإنَّ الودّ والإخاء والوجدان النفسي يترقرقُ في أعماقها.

فأجابه محمد الخضر حسين بقصيدة؛ من ثلاثة عشر بيتاً (١)؛ أذكر منها:

أَيَنْعَمُ لي بالٌ وأنتَ بعيدُ ... وأسلو بطَيفٍ والمنامُ شريدُ

إذا أَجَّجَتْ ذِكراكَ شوقي أُخْضِلَتْ ... لَعَمْري -بدمع المُقلَتينِ- خُدودُ

بعُدْتُ وآمادُ الحياةِ كثيرةٌ ... وللأمدِ الأسمَى عَليَّ عُهودُ

بعُدْتُ بجُثماني وروحي رهينةٌ ... لديكَ وللودِّ الصَّميمِ قُيودُ


(١) انظر: "خواطر الحياة" (ص ٩٣ - ٩٥).