للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أما رأيي الشخصي: فأنا أرى أنه لا مانع من الصلاة على تارك الصلاة تساهلاً لا جحوداً وأن حكمه في جواز الصلاة حكم غيره من المسلمين العصاة وفضل الله واسع وكل عالم له رأيه، وكل مجتهد له حجته، فمن أصاب فله أجران ومن أخطاء فله أجر واحد، كما في حديث (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) (١).

س: هل تشرع صلاة الجنازة على من مات وهو فاسق أو أنها لا تشرع الصلاة على من كان فاسقاً؟

جـ: المسألة خلافية فمنهم من قال بجواز الصلاة على الفاسق، ومنهم من منعها، وقد احتج القائلون بالجواز بأن الأصل هو الجواز وأيدوا الأصل بحديث (صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وصلوا على من قال لا إله إلا الله)، وأجاب المانعون من الصلاة على الفاسق بأن الأصل هذا قد نقل بالأدلة الدالة على عدم جواز الصلاة على الفاسق، كما أجابوا عن الحديث بأنه حديث ضعيف، أما الأدلة الدالة على المنع من الصلاة على الفاسق ومنه شارب الخمر فمنها قوله تعالى {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} (٢) وأجيب عنه بأن الفسق ها هنا ليس المراد به هو العصيان بارتكاب إحدى الكبائر كما هو اصطلاح المتأخرين بل المراد به هو النفاق أي إظهار الإسلام وإخفاء الكفر وذلك لأن تخصيص اسم الفاسق بمن يرتكب الكبائر من المسلمين اصطلاح حادث ولا يفسر به القرآن ولأن عدم الصلاة في هذه الآية كانت بمجموع شيئين وهما الكفر والفسق لا الفسق وحده، ولأن هذه الآية نزلت في (عبدالله بن أبي) رئيس المنافقين ولم يكن ممن يرتكب الكبائر مثل جريمة شرب الخمر وغيرها من الكبائر وإنما كان يبطن الكفر ويظهر الإسلام فلا تكن هذه الآية حجة على المنع من الصلاة على الميت إذا كان فاسقاً أي مرتكباً لإحدى الكبائر، ومن الأدلة على المنع من الصلاة على الميت الفاسق أن النبي -صلى الله عليه وسلم- امتنع عن الصلاة على قاتل نفسه وقال (أَمَّا أَنَا فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ) (٣) وأجيب عن هذا الدليل أن قوله: (أَمَّا أَنَا فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ) يدل بمفهومه على أن غيره لا مانع له من الصلاة عليه أي أما أنا فلا اصلي عليه وأما غيري فلا مانع له من الصلاة عليه وعلى فرض أنه ليس منه ما يدل على هذا المفهوم فهذا الدليل أخص من الدعوى لأنه في قاتل نفسه وهو أعظم جريمة من شارب الخمر، ومن الأدلة على المنع من الصلاة على الميت الفاسق أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال بعد أن سئل عن صلاته على المرأة التي رجمها حداً لاعترافها بالزنا لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لكفتهم كما في حديث (لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى) (٤) فإنه يدل على أن المجوز لصلاته -صلى الله عليه وسلم- على هذه المرأة المرجومة حداً هو التوبة الخالصة التي وقعت منها ومفهومه يدل على أن هذه المرأة لا يصلى عليها إذا لم تكن قد تابت، ولا أدري ما سيكون جواب المجوزين للصلاة على الفاسق الذي لم يتب على هذا الحديث الصحيح.


(١) حيح البخاري: كتاب الاعتصام: باب أجرالحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ. حديث رقم (٦٨٠٥) بلفظ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ)
أخرجه مسلم في الأقضية، وأبوداود في الأقضية، وابن ماجه في الأحكام، وأحمد في مسند المكثرين.
لايوجد له مكررات.
(٢) التوبة: (٦٤).
(٣) سنن النسائي: سبق ذكره في هذا الباب من حديث ابن سمرة -رضي الله عنه- برقم (١٩٣٨).
(٤) صحيح مسلم: سبق ذكره في هذا الباب من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه برقم (٣٢٠٩)

<<  <  ج: ص:  >  >>