للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الاجتهاد، حتى يكون الرجوع إلى المخبر والباني (١) فيه الرجوع إلى تقليد مجتهد، وإنما هو من باب الإخبار عن الأمور المعلومة، لأنَّ أهل الأمصار يعلمون الجهات، ولا يخفى ذلك على أحد إصحاءَ السماء، ويعلمون أيضًا مكة من جهاتهم. فصار ذلك كالعلمِ بدخول الوقت، والعلمِ بطلوع الشمس من بعض الجهات. والراجعُ إلى المخبِر بذلك كالراجع إلى المخبِر بدخول الوقت عن علم، وبطلوع الشمس من جهة من الجهات.

فإن أخطأ في الحضر [ص ٢٠٤] بأن تبيَّن خطأ المخبر، أو كذبُه، أو فسادُ بناء المحراب، أو غير ذلك؛ فعليه الإعادة في المشهور من المذهب. وقد نصَّ عليه أحمد (٢) فيمن هو في مدينةٍ، فتحرَّى، فصلَّى لغير القبلة: يعيد، لأنَّ عليه أن يسأل.

وقال القاضي في «خلافه»: ظاهر كلام أحمد: حكمُ المكي وحكمُ غيره سواء في أنه لا يجب عليه الإعادة، فإنه قال في رواية صالح (٣): «قد تحرَّى». فجعل العلَّة في الإجزاء وجودَ التحرِّي. وهذا موجود في المكي وغيره. وإذا كان هذا في المكي، ففي المقيم بسائر الأمصار أولى.

ووجه المشهور: أنه كان قادرًا على اليقين، فلم يُعذَر بالجهل وإن جاز له العمل بغالب الظن، كمن أفطر بخبر إنسان عند غروب الشمس ثم تبيَّن أنها طالعة، أو صلَّى بخبره عن دخول الوقت ثم تبيَّن أنه لم يدخل. ولقد كان القياس يقتضي أنه لا يجوز له العمل بدليل تدخله الشبهة ولو على بعد،


(١) في الأصل والمطبوع: «والثاني»، تصحيف.
(٢) في «مسائل أبي داود» (ص ٦٨).
(٣) «مسائل صالح» (ص ٦٨ - ٦٩).