للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فصل

ومحلُّ النية: القلب. فلو تلفَّظ بخلاف ما نواه، فالاعتبار بما نواه، لا بما لفَظ به، لأنَّ لفظ النية ليس من الصلاة.

وإن لفظ بما نواه، فقال القاضي وخلائق من أصحابنا: هو أوكد وأفضل، ليجمع بين القلب واللسان. وقال ابن عقيل: إن كان ممَّن يعتريه الوسواس ولا تحصل له نية بقلبه إلا أن يستنهضها بلسانه فعَلَ ذلك، لأنَّ عليه تحصيلَ العقد بأيِّ شيء يحصل له، كما يجب عليه تحصيلُ الماء بالشِّرى، والسعي إليه إذا بعُدَ، واستقائه (١) إذا كان في قعر بئر، وغير ذلك من التسبُّب إلى العبادات.

وقد قال أحمد في رواية أبي داود (٢)، وسأله هو: قبل التكبير تقول شيئًا؟ قال: لا. وحمله بعض أصحابنا على أنه ليس قبل التكبير ذكر مشروع. وكلام أحمد عامٌّ في الذكر واللفظ بالنية. وذلك لأنَّ النية محضُ عمل القلب، فلم يُشرَع إظهارها باللسان، لقوله سبحانه: {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحجرات: ١٦]، وفاعلُ ذلك يُعلِمُ الله بدينه الذي في قلبه. ولهذا قال العلماء في قوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} [الإنسان: ٩]: لم يقولوه بألسنتهم، وإنما علِمَه الله من قلوبهم. ولهذا لم يستحِبُّوا أن يتلفظ بنية الإخلاص.


(١) رسمها في الأصل يشبه: «استبعاده». وأثبت في المطبوع: «استعاره». ولعل الصواب ما أثبتُّ.
(٢) «مسائل أبي داود» (ص ٤٦).