للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فإن قيل: ففي حديث ابن عمر (١) أن هذه الآية نزلت في صلاة التطوع في السفر.

قلنا: لا منافاة بين هذين، فإنَّ الآية الجامعة العامة تنزل في أشياء كثيرة. إمَّا أن يراد به جميع تلك المعاني بإنزال واحد، وإمَّا أن يتعدَّد الإنزال إمَّا بتعدُّد عرضِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - القرآن على جبريل عليه السلام أو غير ذلك. وفي كلِّ مرَّة تنزل في شيء غير الأول، لصلاح لفظها لذلك (٢) كلِّه؛ على أنَّ قول الصحابة: نزلت الآية في [ص ٢٠٧] ذلك قد لا يعنُون به سببَ النزول، وإنما يعنُون به أنه أريد ذلك المعنى منها، وقُصِد بها. وهذا كثير في كلامهم.

وأيضًا فإنَّ المصلِّي استقبل غيرَ القبلة جاهلًا بها جهلًا يُعذَر به، فلم تجب عليه الإعادة؛ كأهل قباء فإنهم لما بلغهم الخبر في أثناء الصلاة استداروا إلى جهة الكعبة، ولم يستأنفوا الصلاة إلى الكعبة. ولم يأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة، مع أنَّ القبلة كانت قد حُوِّلت قبل (٣) دخولهم في الصلاة. ولا فرق بين عدم العلم بوجوب (٤) الاستقبال لتجدُّد النسخ وعدم العلم بالجهة الواجبة، إذا كان في كلا الأمرين معذورًا، ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها. وهذه الدلالة اعتمدها أحمد - رضي الله عنه - في غير موضع من مسائله.

وقد ذكر عن عطاء وقتادة أن النجاشي كان يصلِّي إلى بيت المقدس إلى أن مات. وقد مات بعد نسخ القبلة بسنين متعدِّدة. فلما صلَّى عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -


(١) سبق تخريجه.
(٢) في الأصل: «كذلك»، والتصحيح من حاشية الناسخ.
(٣) في الأصل والمطبوع: «بعد»، ولعل الصواب ما أثبت.
(٤) في المطبوع: «بوجود»، تحريف.