للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

اشتبه ضوءه بضوء القمر في ليالي القمر. وكثيرًا ما قد صُلِّي الفجر، ثم تبيَّن لهم أنَّ الفجر لم يطُلع. وقد وقع ذلك لعدد من الصحابة وغيرهم (١)، بخلاف زوال الشمس وغروبها.

ولهذا ــ والله أعلم ــ مدَّ الله الأكلَ بالليل إلى أن يتبيَّن الفجر، وقال: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧]، فجعل وقتَ الفجر منوطًا بتبيُّنه وظهوِره، وهو الإسفار الذي أمر (٢) النبي - صلى الله عليه وسلم - به على هذا التفسير. ولم يقل: ثم أتِمُّوا الصيام حتى يتبيَّن لكم الليلُ، لأنَّ دخول الليل لا شبهة فيه. فإذا أُخِّرت حتى يظهر ضوء الفجر ويتبيَّن كان أبعد عن الشبهة. ولعله بهذا (٣) أيضًا أن يتسحَّر الناس حتى يتبيَّن لهم الفجر، وأن لا يكفُّوا عن الطعام إذا اشتبه عليهم الحال. وقد جاء ذلك مأثورًا عن الصحابة في قضايا متعددة، فكأنّ المؤذِّن والمصلِّي (٤) إذا لم يتبيَّن طلوعُ الفجر منع الناس ذلك (٥).

وقد قيل: إنَّ أولئك القوم لما أُمِروا بتعجيل الصلوات احتمل أنهم كانوا يصلُّونها ما بين الفجر الأول والثاني؛ طلبًا للأجر في تعجيلها، ورغبةً في الثواب. فقيل لهم: صلُّوها بعد الفجر الثاني، فإنه أعظم [ص ٥٤] للأجر، وإن كانت لا تجوز قبل الوقت، لكن لما قصدوا الخير (٦) ونوره فإنَّ الله يأجرهم


(١) روي ذلك عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري، وسيأتي تخريجه.
(٢) في الأصل والمطبوع: «أقر»، تصحيف.
(٣) كذا في الأصل والمطبوع، ولعل «بهذا» تحريف «قصد».
(٤) كذا في الأصل والمطبوع، وكأنَّ لفظ «والمصلي» مقحم.
(٥) في المطبوع غيَّر «منع» إلى «أعاد» دون إشارة، وقال: «هكذا في المخطوط»!
(٦) في الأصل: «يصفوا الحبر». ولعل الصواب ما أثبت. وفي المطبوع: «لم يصفوا الفجر» زاد «لم» دون إشارة.