للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[صبر نوح عليه السلام على دعوة قومه]

لقد بذل نوح عليه السلام وسائل عديدة من أجل الدعوة، لا يستطيع أن يبذلها أحد، وظل تسعمائة وخمسين عاماً يدعونه، وبعض الناس يقول: والله يا شيخ! إن لي معه شهراً وأنا أدعوه، والله ليس فيه خير، فنوح جلس تسعمائة وخمسين سنة، وبعد ذلك عدّد جميع أساليب ووسائل الدعوة: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ} [نوح:٥ - ٧] إذا قام يحدث وضعوا أيديهم في أذانهم، فمن يحدث وهم قد وضعوا أيديهم في أذانهم؟ وأنتم لو تخليتم عني، سأقول: بما أنهم لا يريدون الذكر فليذهبوا في داهية.

لكن نوحاً لم يقل هذا، إنما قام يحدث وهم جالسون وهو يعرف أنهم لا يسمعون، ولكنهم يرونه، فقال: لعلهم إذا رأوني وأنا أتحدث يرحموني، فيسمعون كلام لله عز وجل، فماذا يعملون؟ يستغشون ثيابهم، كل شخص يغطي وجهه، ويقولون: لا نسمعك ولا نراك: {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} [نوح:٧ - ٩] دعوة فردية وجماعية، ودعوة سرية وعلنية: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} [نوح:١٠] لفت نظرهم إلى قدرة الله وعظمته {إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ} [نوح:١٠ - ١١].

لكن بعد أن يئس وعرف أن بيئتهم غير صالحة، قال: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً} [نوح:٢٦] وكان مسوغاً في دين نوح أن يدعو عليهم؛ لأنه ليس خاتم الأنبياء، لكن ليس مسوغاً في دين نبينا صلى الله عليه وسلم أن يدعو على أحد، ولهذا لا يدعو ولا تهلك هذه الأمة باستئصال، لماذا؟ لا بد من بقاء هذا الدين وهذه الرسالة إلى يوم القيامة.

قال: (إني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده) فأخرج الله من أصلابهم من يعبده، وحقق الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وعده، وأمله، وأمنيته، فأخرج الله من أصلاب الكفار: العاص بن وائل أخرج من صلبه عمرو بن العاص، والوليد بن المغيرة أخرج من صلبه خالد بن الوليد، وأبو جهل أخرج الله من صلبه عكرمة بن أبي جهل، وهكذا.

ف

السؤال

{ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:٦٥] هؤلاء رسل اطلعوا على ما لم تطلعوا عليه، وعلموا ما لم تعلموا، وأدوا هذا الدين في واقع الحياة -الواقع العملي- كنماذج بشرية تطيق تطبيق هذا الدين فماذا أجبتموهم؟ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قلت لكم، هذا وضعه وصلته بربه مغفوراً له، ونوح عليه السلام لما ركب الفلك وقال للناس: اركبوا وركب مع أهل الإيمان وكان قد سمع من وعد الله: {فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} [المؤمنون:٢٧] فظن نوح أن الأهلية هنا هي: أهلية النسب، فقال للناس: اركبوا وقال لولده: {يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا} [هود:٤٢] لأنه من أهله: {وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ} [هود:٤٢] فرفض، وقبل أن يغرق توسط نوح إلى ربه لولده: {فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} [هود:٤٥] وأنت قد قلت: أركبهم، ولكن أبى أن يركب، أريدك يا رب أن تنجيه، فقال الله له مصححاً النظرة في كلمة أهلك: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود:٤٦] رغم أنه ولده، لكن الله يقول: ليس من أهلك، إن أهلك أهل عقيدتك، ولو كان من غير صلبك، وإن أهلك من هو على مثل ما أنت عليه من الدين، أما ولدك وإن كان من صلبك، فلا تربطك به رابطة إذا كان على غير دينك: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة:٢٢].

فمستحيل أن تجد شخصاً عنده إيمان بالله واليوم الآخر، وعنده مودة لمن يحاد الله ورسوله، ثم قال الله عز وجل: {وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة:٢٢] مهما كانت قرابتهم: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة:٢٢] ومن كتب الله في قلبه الإيمان فلا يمحوه أحد: {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادلة:٢٢] مثبتون ومؤيدون من الله، قال الله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود:٤٦] الله أكبر! هذا الكلام لنبي من أولي العزم، يقول الله له على هذه الكلمة فقط: (إن ابني من أهلي) ولم يقل: يا رب! نجه، وإنما أذكرك يا رب بوعدك: {وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود:٤٥ - ٤٦] هذا كلام من الله يوجه لنوح، انظروا كيف البراءة من الذنب والعودة إلى الله: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود:٤٧].

وقيل بعد هذا: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [هود:٤٨] فهذا موقف نوح مع الله.