للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[حقيقة الإيمان]

ما هو الإيمان؟ ما دام أن هذا الإيمان له آثار طيبة، فما هو الإيمان؟ الإيمان -أيها الإخوة- ليس كلمة تقال باللسان، ولكنها حقيقة ذات أعباء وتكاليف، كلمة لها قيمتها ووزنها وثمنها، الإيمان عند أهل السنة والجماعة يتكون من ثلاث حقائق: حقيقة لفظية، وحقيقة قلبية، وحقيقة عملية.

الحقيقة الأولى اللفظية هي: الإظهار والإشعار بكلمة الإخلاص وكلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذه أول شيء، قبل أن يصلي الإنسان يجب أن يشهد أن لا إله إلا الله، لو صلى بغير (لا إله إلا الله) لم تنفع؛ لأن شروط الصلاة تسعة أولها: الإسلام، وهذا لم يسلم حتى الآن، ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن، قال له: (ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وإذا أراد أي إنسان أن يدخل في الدين، فإن أول شيء أن يعلن كلمة التوحيد، قال العلماء: لأنها عقد يوقعه العبد مع ربه على ألا يعبد إلا الله ولا يتبع إلا رسوله، هذه اتفاقية إذا طبقها طوال عمره فإنه عند الموت سيقول: لا إله إلا الله؛ لأنه طبق الاتفاقية، وإذا كان عند الموت ولم يقل (لا إله إلا الله) فمعنى ذلك أنه لم يطبق الاتفاقية بل نقض العقد.

وقد ذكر ابن القيم قصصاً كثيرة عن أناس ماتوا ولم يقولوا لا إله إلا الله، وفي هذا العصر يخبرنا الثقات عن أقوام قيل لهم قولوا: لا إله إلا الله، فلم يقولوها شخص كان يدخن فلما جاءه الموت قال له الذين كانوا عنده: قل (لا إله إلا الله) وهو يلفظ الروح، قال: هبوا لي دخاناً، يريد أن يشرب الدخان قبل أن يوضع في القبر، قالوا: لا يوجد دخان، سوف تموت، قل (لا إله إلا الله) قال: والله لا أقولها، أنا بريء منها، ثقلت على لسانه هذه الكلمة.

وشاب آخر كان يقود سيارته بسرعة جنونية، ووقع له حادث مروري وقطع (الدركسون) بطنه، وأتوا عليه وهو يلفظ أنفاسه فلقنوه وقالوا: قل (لا إله إلا الله) فقال: هل رأى الحب سكارى مثلنا؛ لأن الشريط كان يغني، وكان طوال الطريق يستمع إلى المغنية وهي تقول: هل رأى الحب سكارى مثلنا، قالوا: قل (لا إله إلا الله) سوف تموت، قال: أعطني حريتي أطلق يدي، ومات على هذه الكلمة؛ لأن من عاش على شيء مات عليه.

إذاً: الحقيقة الأولى اللفظية هي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، تقولها.

الثانية: حقيقة قلبية، وهي أن تعتقد بقلبك بصدق، أن تصدق ما نطق به لسانك؛ لأن من قال: (لا إله إلا الله) وقلبه لم يعتقدها بصدق فهؤلاء هم المنافقون، فالمنافقون قالوا: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة:٨]، قال الله عز وجل: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة:٨] إنهم كذابون {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة:٩] فلا بد أن يتواطأ القلب واللسان، تقول (لا إله إلا الله) بصدق من قلبك أنه لا إله إلا الله، و (لا إله إلا الله) ينتظم فيها التوحيد بفروعه الثلاثة، أي: لا خالق ولا رازق ولا محيي ولا معطي ولا مميت إلا الله، وأيضاً لا معبود بحق إلا الله، فلا تدعو، ولا تذبح، ولا تخشى، ولا ترجو، ولا تستغيث، ولا تستعين، ولا تتوكل، ولا تخاف إلا من الله، و (لا إله إلا الله) تقتضي أيضاً توحيد الأسماء والصفات؛ لأنها متلازمة، أن تثبت الأسماء والصفات لله كما أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم كما يليق بجلاله، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تأويل ولا تعطيل، وإنما على حد قوله عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:١١] سبحانه وتعالى.

وبعد ذلك محمد رسول الله، الكلمة الثانية هذه لا تتبع أحداً في العبادة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تعبد الله إلا بالدليل، لا بالاستحسان، ولا بالهوى ولا بالعادات، ولا باتباع آبائنا ومشايخنا وأوليائنا، إنما قال الله وقال رسوله، هذا هو الدين، والذي ليس عنده قال الله وقال رسوله فليس عنده دين.

الحقيقة الثالثة: حقيقة عملية؛ وهي تأتي برهاناً ودليلاً على صدق ما نطق به اللسان، واعتقده القلب، وهي أعمال الشرع، وذلك مثل الصلاة، فإنها حقيقة لفظية وقلبية وعملية، شخص يقول: (لا إله إلا الله) ولكن لا يصلي هذا نقض إسلامه وإيمانه، وأصبح في نظر الشرع كافراً؛ لأن ترك الصلاة كفر (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)، لا بد من العمل، والعمل جزء من الإيمان، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، بخلاف المرجئة، فإنهم يقولون: العمل ليس له علاقة بالإيمان، لا يضر مع الإيمان ذنب، ولا ينفع مع الكفر عمل، وضيعوا دين الله، وكثير من الناس الآن عقيدته عقيدة المرجئة وهو لا يدري، تجده لا يعمل أي عمل، وإذا قلت له: لماذا لا تعمل؟ قال: يا شيخ! والله أنا قلبي مؤمن بالله.

كنت مرة في زيارة لبعض الدول، وحينما دخلت الفندق سمعت موسيقى صاخبة مؤذية، فنظرت وأنا في المصعد وإذا بالذي يغني في الفندق وعنده أجهزة كثيرة، رجل رأسه أصلع كبير وطويل وعريض وهو يحرك يديه، فذهبت غرفتي وجلست، ولما جاءت الصلاة نزلت لأصلي في مصلى الفندق، ورجعت وإذا بالرجل واقفاً، فدعاني أحد المسئولين الذين استضافوني وأعطيته التذاكر، وإذا بهذا الشخص يسلم عليَّ، فقلت له: أنت الذي كنت تغني بالليل؟ قال: نعم، هل أعجبك؟ قلت له: أنت مسلم؟ قال: نعم أنا مسلم، قلت: هذا الغناء الذي تغنيه هل ينفعك بين يدي الله عز وجل إذا مت غداً؟ قال: لا والله لا ينفع، اعترف وعلم أن الغناء لا ينفع، قلت: كيف تعيش على حياة تعرف أنها لا تنفعك إذا مت؟ قال: والله يا شيخ أنا قلبي نظيف، قلت: قلبك نظيف فقط، ليس عندك غير القلب النظيف؟ قال: نعم، قلت: أنا وأنت الآن لو مكثنا في الفندق عدة أيام، وأردنا أن نخرج من الفندق بعد ذلك وقالوا: ادفعوا الأجرة، قلنا: لا، قلوبنا مؤمنة بأن هذا فندق، والله أنا مؤمن إيماناً جازماً أن هذا الفندق ممتاز وخمسة نجوم، لكن لن أدفع الأجرة، ما رأيكم هل ينفع هذا؟ سوف يقولون: هات الأجرة أو السجن، وهذا يريد الجنة بقلب نظيف ولم يصل لله ركعة، فانتقلت معه إلى سؤال آخر، قلت: أنت تصلي؟ قال: لا والله لن أكذب عليك، قلت: لماذا؟ قال: إن أمي تصلي، أمه تصلي بالنيابة، قلت: إذا ماتت أمك هل سيضعونها معك في قبرك، أو أنت معها في قبرها؟ قال: لا، كل واحد له قبر، قلت: وكل واحد صلاته له، أم أنه ستخرج أمك من القبر إذا سألوك وتقول: إني أُصلي بدلاً عنه؟ قال: ادع لي يا شيخ، قلت: أسأل الله أن يهديك، وتركته ومشيت، وانقطع الصوت، ولم أعد أسمعه ثلاثة أيام وأنا في الفندق، والرجل جالس ولم يعد يغني، وعندما أردت أن أمشي وأنا أستلم أغراضي من عند موظف الاستقبال، قال لي الموظف: متى تمشي يا شيخ؟ قلت: الآن إن شاء الله، قال: حسناً، قلت: لماذا؟ قال: هذا المغني يا شيخ كل فترة يقول: متى يمشي الشيخ؟ متى يمشي الشيخ؟ إنه مسكين محصور من أجل وجودي، يريدني أن أمشي من أجل أن يرجع للغناء.

هذه هي عقيدة المرجئة، لكن عقيدة الإسلام عند أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.

هذا هو التعريف الصحيح للإيمان.

وإذا نقص من العمل شيء فما هو الحكم؟ هذه مسألة مهمة ينتبه لها طلبة العلم، إذا أنقص شخص من العمل شيئاً، فإن أهل السنة والجماعة يقولون: ننظر إلى الشيء الناقص، فإن كان تركه كفراً مثل الصلاة انتقض إيمانه، وإن كان تركه ذنباً ومعصية -كبيرة كانت أو صغيرة- فهو فاسق بمعصيته مؤمن بإيمانه، داخل الدائرة، لا يصير كافراً، تحت مشيئة الله في الدار الآخرة، وهذا يسمونه في العقيدة: الفاسق الملي، أو صاحب الكبيرة، بخلاف الخوارج والمعتزلة، فإن الخوارج يقولون: إذا ترك الإنسان أي شيء من العمل كفر، وهو في النار في الآخرة، والمعتزلة يقولون: إذا ترك شيئاً من العمل فلا يكفر ولا يبقى مسلماً، إذاً ماذا يصير؟ قالوا: يبقى في منزلة بين المنزلتين، معلق لا كافر ولا مؤمن، أين هو في الآخرة؟ قالوا: في الآخرة هو في النار.

وهذا باطل، والحق ما كان عليه الدليل من كتاب الله ومن سنة رسوله، وهو عقيدة أهل السنة والجماعة؛ لأن الذين وقعوا في الكبائر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أقام النبي صلى الله عليه وسلم الحدود لتطهرهم، وأخبر أنهم في الجنة، فهذا ماعز جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ بشر مسكين وقع في الغلط، لكن إيمانه مثل الجبال، جاء وقال: (يا رسول الله! إني زنيت فطهرني) لم تأت به الهيئة ولا الشرطة، وإنما جاءت به الشرطة الداخلية؛ القلب الحي المعمور بالإيمان (طهرني يا رسول الله! قال: أبك جنون؟! قال: لا يا رسول الله! قال: لعلك قبلت، لعلك كذا قال: لا والله يا رسول الله! قال: ارجموه.

فقال واحد من الصحابة: لعنه الله! يستره الله ويفضح نفسه، قال: لا تقول هذا، فوالذي نفسي بيده إنه لينغمس الآن في أنهار الجنة).

والمرأة التي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاعترفت بالزنا فرجمها، قال عنها: (لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم).

فمعنى هذا: أن الذي يقع في الذنب لا يكفر، لكن يصير عاصياً صاحب كبيرة وصاحب ذنب، وهو تحت مشيئة الله في الدار الآخرة إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له.

والإيمان يزيد وينقص، وذلك بالعمل، فهل عمل الناس كلهم سواء؟ ليس عمل الناس سواء، أنتم الآن قبل المغرب وجئتم وجلستم في المسجد، في روضة من رياض الجنة، ومجلسكم تحفه الملائكة، وتسمعون كلام الله، فإنه يزداد إيمانكم، أليس كذلك؟ لكن لو أنكم -عافاكم الله وحاشاكم- جلستم في مجلس آخر فيه ضرب عود وطرب، فهل يزيد الإيمان أم ينقص؟ بل ينقص، يخرج كل واحد منكم يبحث ل