للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

آخر (١). وفي أول الحديث أن الأعمى سألَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يدعوَ الله أن يَرُدَّ إليه بَصَرَه، فهو طلبَ من النبي الدعاءَ، فأمرَه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يتوضأ ويُصلِّيَ ركعتينِ، ويقول: "اللهمّ إني أسألَك وأتوجَّهُ إليك بنبيِّك محمدٍ نبيِّ الرحمةِ، يا محمد يا رسولَ الله إني أتوسَّلُ بك إلى ربي في حاجتي لتَقضِيَها، اللهمّ فشَفِّعْهُ فيَّ". وفيِ رواية ثانيةٍ رواها أحمد والبيهقى وغيرهما (٢): "اللهمَّ شَفِّعْه فيَّ وشفِّعْنِي فيه".

فلما سألَ النبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يدعوَ أمرَه أن يدعوَ هو أيضًا. كما قال له ربيعةُ بن كعب الأسلمي: أسألُ مرافقتك في الجنة، فقال: "أعنِّي على نفسِك بكثرةِ السجود" (٣). فإنّ شفاعةَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وسؤالَه الإنسان قد يكون مشروطًا بشروطٍ، وقد يكون هناك مانعٌ، كاستغفارِه للمنافقين.

فدعاؤه من أعظم الأسباب في حصولِ المطلوب، ولكن السبب قد يكون له شروطٌ وموانعُ، فإذا كان إبراهيم قد استغفر لأبيه فلم يُغفَر له، وقيل للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المنافقين: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) (٤)، وقيل له: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) (٥)، لم يَمنَعْ ذلك أن يكونَ دعاءُ


(١) انظر "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" ضمن مجموع الفتاوى (١/ ٢٦٥ - ٢٧٩). و"الرد على البكري" (ص ١٢٨ - ١٣٨).
(٢) هذه الرواية أخرجها أحمد (٤/ ١٣٨) والحاكم في المستدرك (١/ ٣١٣، ٥١٩) والبيهقي في كتاب الدعوات وغيرهم.
(٣) أخرجه مسلم (٤٨٩) وأبو داود (١٣٢٠) والنسائي (٢/ ٢٢٧) عن ربيعة.
(٤) سورة المنافقون: ٦.
(٥) سورة التوبة: ٨٤.