للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

لأن الصبر ثلاثة أقسام (١):

صبر على الطاعة حتى يفعلَها، فإن العبد لا يكاد يفعل المأمورَ به إلاّ بعد صبرٍ ومصابرةٍ، ومجاهدةٍ لعدوّه الظاهر والباطن، فبحسب هذا الصبر يكون أداؤُه للمأمورات وفِعلُه للمستحبات.

النوع الثاني: صبرٌ عن المنهي حتى لا يفعلَه، فإنّ النفسَ ودواعيها وتزيين الشيطان وقُرَناء السوء تأمرُه بالمعصية، وتُجَزِّئُه عليها، فبحسب قوة الصبر يكون تركُه لها. قال بعض السلف (٢): أعمالُ البِرِّ يَفعلُها البَرُّ والفاجر، ولا يَقدِرُ على ترك المعاصي إلاّ صدِّيق.

النوع الثالث: الصبر على ما يُصِيبُه بغير اختيارِه من المصائب، وهي نوعان:

نوع لا اختيارَ للخلقِ [فيه]، كالأمراضِ وغيرِها من المصائب السماوية، فهذه يسهل الصبر فيها، لأن العبْدَ يشهدُ فيها قضاءَ اللهِ وقدرَه، وأنه لا مدخلَ للناس فيها، فيصبر إمّا اضطرارًا وإمّا اختيارًا، فإن فتحَ الله على قلبه بابَ الفكرةِ في فوائدِها، وما في حَشوِها من النِّعَم والألطاف، انتقلَ من الصبر عليها إلى الشكر لها والرضا بها، فانقلبت حينئذٍ في حقه نعمةً، فلا يزالُ هِجيْرَا قلبه ولسانِه فيها: "رب أَعِني على ذكرِك وشكرك وحسنِ عبادتك" (٣). وَهذا يقوى ويضعف بحسب قوةِ محبة العبد لله وضعفِها، بل هذا يجد أحدنا في الشاهد،


(١) انظر كلام المؤلف في "مجموع الفتاوى" (١٥/ ٥٧٤ - ٥٧٧، ١٤/ ٣٠٤ - ٣٥٦).
(٢) هو سهل التستري، كما روى عنه أبو نعيم في "الحلية" (١٠/ ٢١١).
(٣) من الأدعية المأثورة، أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٤،٢٤٧) وأبو داود (١٥٢٢) والنسائي (٣/ ٥٣) عن معاذ بن جبل.