للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فأما إن كان قد انتَفَع به في دينه، إما بما بلغه عنه من الأقوال التي انتَفَع بها في دينه، أو بما بلغه من الأعمال الصالحة التي اقتدى به فيها = فهو قدوةٌ له وإمامٌ في ذلك القدر الذي انتفع به فيه.

وقد يكون غيرُه قدوةً له وإمامًا من غير ذلك.

وقد يكون ذلك القدوةُ ــ فيما اتَّبع فيه ــ جماعةً، كمن يقرأ القرآن على جماعة، أو يقرأ بعضه على شيخٍ وبعضه على شيخٍ آخر، ويصلي خلف إمامٍ صلاةً وخلف غيره صلاةً أخرى، ويستفيد من عالمٍ (١) علمًا ومن آخر علمًا، فهؤلاء كلُّهم أشياخٌ له فيما انتَفَع به منهم، لا يختصُّ بذلك واحدٌ دون واحد.

وهكذا كان السَّلف يجتمعون بأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويستفيدون منهم ما بلَّغوهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأهلُ العلم والدين إذا اجتمعوا على شيءٍ فاجتماعهم حجةٌ قاطعة؛ فإن المؤمنين لا يجتمعون على ضلالة.

وقد يكون انتفاع الرجل ببعض شيوخه أكثر.

وأما تشيُّع الأمة وتفرُّقهم، بحيث يوالي الرجلُ من وافقه على نِسْبَتِه حتى فيما يخالفُ الشريعة، ويُعْرِض عن غيرهم حتى فيما يوافقُ الشريعة = فهذا مما ينهى الله عنه ورسولُه؛ فإن الله أمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف (٢).


(١) الأصل: "علما". والمثبت أشبه.
(٢) من عبارات ابن تيمية وأصوله المشهورة. انظر: "منهاج السنة" (١/ ١١٥, ٣/ ٤٦٧)، و"الرد على المنطقيين" (٣٣٤)، و"مجموع الفتاوى" (٣/ ١٨١، ٢٠٥، ٢٨٥، ٣٦٨, ٩/ ٢٣٠, ١١/ ٩٢, ١٢/ ٤٣١، ١٩/ ١١٦، ٢٢/ ٢٥١, ٢٨/ ٥١, ٤٨٥, ٣٥/ ٧٤)، و"جامع المسائل" (٥/ ٢٧٣, ٨/ ٢٠٩).