للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وأما قول القائل: إن ابن عباس أفتى بخلافه، فقد اختلفت فُتْيا ابن عباس في ذلك، فنُقِل عنه إيقاعُ الثلاث بكلمة واحدة، ورُوِيَ عنه أنه لا تقع، كما ذكر ذلك أبو داود في سننه وغيرُه (١).

والمقصود هنا أنه ليس في السنة قَط أن أحدًا طلَّق ثلاثًا جملةً على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأوقعها به، وهذا لا ريبَ فيه.

وأما الإجماع فلا إجماعَ في المسألة (٢)، بل قد نقل عن أكابر الصحابة - مثل الزبير وعبد الرحمن بن عوف وعلي وابن مسعود وابن عباس - أنه لا تقع الثلاث بكلمةٍ واحدةٍ، وهو قول غير واحدٍ من التابعين ومن بعدهم، كطاوس وعكرمة وابن إسحاق والحجاج بن أرطاة، وقول طائفة من أصحاب مالك من أهل قرطبة وغيرهم، وقول طائفة من فقهاء الحديث من أصحاب أحمد وغيرهم، وكان جدُّنا أبو البركات يفتي بذلك أحيانًا، وقول [طائفة] من الناس من أهل الحديث والكلام والفقه، وهو أحد قولَي الظاهرية بل أكثرهم، وقول الشيعة.

وأما القياس فلا قياسَ في وقوعِه، بل القياس أنه لا يقع، لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي فسادَ المنهي عنه، بمعنى أنه لا يحصل للمنهي قصده، والمنهي عن الطلاق المحرم قصدُه وقوعُه، ففسادُه يُوجب أن لا يحصل مقصوده. كما أن المكرِه الظالم لما كان قصدُه وقوَعَ الطلاق بالمكرَه لم يقع الطلاق من المكْرَه.


(١) سبق تخريج هذه الآثار فيما مضى.
(٢) علق عليه أحد القراء: "هذا كلام ساقط، بل الإجماع منعقد على وقوع الثلاث، وأنه جائز، انتهى". قلت: كأن المعلق لم يقرأ ما نقله المؤلف عن أكابر الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فأين الإجماع الذي ادَّعاه المعلق؟ وانظر "مجموع الفتاوى" (٣٣/ ٨٢ - ٨٤). وقد سبق ذكر بعض الآثار الواردة فيه فيما مضى.