للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بأنه صَرْفُ الكلام عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح بغير دليل. فقوله تعالى (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) ونحوها من الآيات ليس ظاهرُها ولا مدلولُها ولا مقتضاها ولا معناها أن يكون الله مختلطًا بالمخلوقين ممتزجًا بهم، ولا إلى جانبهم متيامنًا أو متياسرًا، ونحو ذلك، لوجوه:

أحدها: أنه لم يَقُل أحدٌ من أهل اللغة إنَّ المعيَّةَ تقتضي الممازجةَ والمخالطةَ، ولا تُوجبُ التيامنَ ولا التياسُرَ (١) ونحو ذلك من المعاني المنفيَّةِ عن الله مع خَلْقِه، وإنما تقتضي المصاحبة والمقارنةَ المطلقةَ.

الثاني: أنه حيث ذُكِر في القرآن لفظ المعيّة فإنه لم يَدُلَّ على الممازجة والمخالطة، كما في قوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (٢)، فليس معنى ذلك أن ذاتَ المؤمنين ممتزجةٌ بذاته. وكذلك قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ) (٣)، والمجاهد معهم ليست ذاتُه ممتزجةً بذواتهم ولا مماسَّةً لذواتِهم. وقال تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)) (٤)، وليس المراد أن ذاتَه تمتزجُ بذواتهم ولا مماسَّة لها. وقال تعالى: (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)) (٥)، وقال تعالى: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩)) (٦).


(١) ما بعده في الأصل غير متصل بما قبله. وقد وجدتُ ما يُكمله في الورقة (٥٣ ب/ سطر ٨).
(٢) سورة الفتح: ٢٩.
(٣) سورة الأنفال: ٧٥.
(٤) سورة التوبة: ١١٩.
(٥) سورة هود: ٤٠.
(٦) سورة الشعراء: ١١٩.