للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ففي هذا الحديث أنه قُتِل جليس الملك والراهب بالمناشير، ولم يرجعَا عن الإيمان. وكذلك أهل الأخدود صبروا على التَّحريق بالنار وَلم يَرْجِعوا عن الإيمان. وأما الغلام فإنه أَمَرَ بقتل نفسِه لما عَلِمَ أنَّ ذلك يُوجِبُ ظُهُورَ الإيمان في النَّاس، والذي يصبر [حتى] يُقْتَل أو يَحْمِل حتى يُقْتَل لأنَّ في ذلك ظهورَ الإيمان= من هذا الباب.

وفي صحيحِ البخاري (١) عن قيس بن أبي حازم عن خَبَّاب بن الأرَتِّ قال: شَكوْنَا إلى رسولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له فيَ ظِلِّ الكعبةِ. فقلنا: أَلا تَسْتنصِرُ لنا؟ أَلا تَدْعُو لنا؟ فقال: قد كان مَن قبلَكم يُؤخَذ الِرَّجل، فيُحْفَر له في الأرض، فيُجعَل فيها، ثم يؤتى بالمِنْشارِ، فيُوضعُ على رأسه، فيُجعل نصفين، ويُمْشَطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دون لَحْمِهِ وعَظْمِه، [وما] يَصُدُّه ذلك عن دينه. والله ليُتِمَّنَّ الله هذا الأمرَ حتى يسيرِ الرَّاكِبُ مِن صنعاءَ إلى حضرموتَ لا يَخافُ إلا الله أو الذِّئِبَ على غنَمِه، ولكنَّكم تستعجِلُونَ".

وفي رواية (٢): أَتيتُ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِل الكعبةِ وقد لَقِيْنا مِن المشركينَ شِدَّةً، فقلتُ: أَلَا تَدْعُو اللهَ. فقَعَدَ وهو مُحْمَرٌّ وجهُه فقال: "لقد كان مَن قبلَكم يُمْشَطُ بأمشاطِ الحديد".

والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّما قال لهم ذلك آمرًا لهم بالصَّبر على أذى الكفَّار، وإن بَلَغُوا بهم إلى حدّ القتل صَبْرًا، كما قَتَلوا المؤمنين صَبْرًا؛


(١) برقم (٣٦١٢).
(٢) عند البخاري (٣٨٥٢).