للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

و"لو لم تكن التوبةُ أحبَّ الأشياء إليه، لما ابتلى بالذنب أكرمَ الخلق عليه" (١).

وهذا هو الحكمة في ابتلاء الكُبراء بالذنوب؛ ليُنْقَلوا منها إلى درجة المحبوب المفروح به؛ فإن الله يحبُّ التوابين، ويحبُّ المتطهِّرين، والله أشدُّ فرحًا بتوبة عبده من فاقد الضالَّة التي عليها طعامُه وشرابُه إذا وجدها بعد الفِقدان (٢).

وهكذا ما قد يقعُ بين الناس عمومًا، وأهل الطريق خصوصًا، من المُحَاقَّات والمنافرات؛ فإن ذلك قد ينتفعون به، كما يروون عن الجنيد قال: "الصُّوفية بخيرٍ ما تَنافَروا" (٣).

وكثيرًا ما يقعُ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لنوع هوًى في النفوس، فلا تَخْلُص فيه النيَّة. وكثيرًا ما يقعُ ركوبُ المنكرات، ومدحُ ذي الضلالات، لعدم العلم بحقيقة أمرهم.

وهذه الأمور ــ وهي: الجهل، والظلم ــ مبدأ الفتن والشرور، إذا لم يتداركها الله تعالى بالعلم والهداية، قال الله تعالى: {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ


(١) أخرجه الخطيب في "الزهد" (١١٤) عن يحيى بن معاذ، بلفظ: "لولا أن العفو من أحب الأشياء إليه ... ". وانظر: "صفة الصفوة" (٤/ ٩٢). وفي "الطيوريات" (٩٦٥) بلفظ: "لولا أن الافتقار إليك من أحب الأشياء إليك ... ".
(٢) كما في البخاري (٦٣٠٨)، ومسلم (٢٧٤٤).
(٣) هو في "طبقات الصوفية" للسُّلمي (١٨٣)، و"الرسالة القشيرية" (٢/ ٤٤٣)، و"سير السلف الصالحين" لأبي القاسم التيمي (١١١٣) وغيرها عن رُوَيْم، وتتمته: "فإن اصطلحوا هلكوا".