للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد بَشَّره بالجنَّة على بَلْوى تُصِيبُه (١)، فأحبَّ أن يَلقَى الله سالمًا من دماءِ المسلمين، وأن يكون مظلومًا لا ظالمًا، كخيرِ ابنَيْ اَدمَ الذي قال: (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)) (٢). وعلي بن أبي طالب بريءٌ من دمه لم يَقتُلْه ولم يُعِنْ عليه ولم يَرضَ، بل كان يَحلِفُ وهو الصادق المصدوقُ أني ما قتلتُ عثمانَ ولا أَعَنتُ على قتلِه ولا رضيتُ بقتلِه. ولكن لمَّا قُتِلَ عثمان وكان عامة المسلمين يحبون عثمانَ لحِلْمِه وكرمِه وحسنِ سيرتِه، وكان أهلُ الشام أعظمَ محبةَ له، فصارت شيعةُ عثمانَ إلى أهل الشام، وكثُر القيلُ والقالُ كما جَرتِ العادةُ بمثل ذلك من الفتن، فشَهِدَ قوم بالزُّور على علي أنه أعان على دم عثمان، فكان هذا مما أوغَرَ قلوبَ شيعة عثمان على عليّ، فَلم يبايعوه، وآخرون يقولون: إنه خَذَلَه وتَرَك ما يَجبُ من نَصْرِه، وقَوىَ هذا عندهم أنَّ القَتَلَة تحيَّزتْ إلى عسكرِ عليَّ، وكان عليّ وطلحة والزبيرُ قد اتفقوا في الباطن على إمساك قَتَلَةِ عثمان، فسَعَوا بذلك، فأقاموا الفتنةَ عامَ الجمل، حتى اقتتلوا من غير أن يكون عليٌّ أرادَ القتالَ ولا طلحةُ ولا الزبيرُ، بل كان المحرِّكُ للقتال الذين أقاموا الفتنةَ على عثمان.

فلمَّا طلبَ عليّ من معاوية ورعيتِه أن يبايعوه امتنعوا عن بيعته، ولم يبايعوا معاويةَ، ولا قالَ أحدٌ قطُّ: إن معاويةَ مثلُ علي، أو إنّه أحق من علي بالبيعة، بل الناس كانوا متفقين على أن عليَّا أفضلُ وأحق،


(١) أخرجه البخاري (٣٦٧٤) ومسلم (٢٤٠٣) من حديث أبي موسى الأشعري.
(٢) سورة المائدة: ٢٨.