للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وأهل السنة، الذين يُثبِتونَ في البرزخ بعدَ الموتِ وقبلَ قيامِ الناس من قبورِهم عذابًا ونعيمًا. وطائفة من أهل البدع تُنكِر هذا ويُنكِرون عذابَ القبر، فهؤلاء ليس عندهم جزاءٌ إلا في القيامة الكبرى. وبإزاء هؤلاء كثير من المتفلسفة والملاحدة الباطنية ومن وافقهم يُثبِتون القيامة الصغرى، وهو معادُ النفس إذا فارقت البدنَ، وليس عندهم قيامة كبرى يقوم الناس عنها من قبورهم، وإنما يُثبِتون تغيُّرَ العالم السُّفلِيّ من حالٍ إلى حال. وهذه القيامة الوسطى التي ذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «إن يَستنفِدْ هذا الغلامُ أجلَه لن يُدرِكَه الهَرَمُ حتى تقوم الساعةُ» (١). يُريد به انخرامَ ذلك القرن، هكذا جاء مبينًا في الأحاديث الصحيحة.

وعذاب الله هو في هذه القيامات الثلاث، يُعذِّب من يشاء بعدَ الموتِ ويُعذِّب كثيرًا من الأمم بهلاكهم جميعًا، كما أهلك قومَ نوح وعادًا وثمودَ وغيرهم. وكذلك يُزيلُ الدُّوَل، وقد قال: «إذا رأيتَ الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعاءَ البَهْمِ يتطاولون في البنيان، فذلك من أشراطها» (٢).

والقيامة الكبرى إذا قامَ الناس من القبور، وانشقَّتِ السماءُ وبُسَّتِ الجبالُ، وكان ما أخبر الله به في كتابه. والوعيد في القرآن يتناول هذا وهذا وهذا، والمفسرون يذكرون الأمور الثلاثة.

ومما يبيِّن ذلك قوله: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا


(١) أخرجه البخاري (٦١٦٧) ومسلم (٢٩٥٣) عن أنس.
(٢) أخرجه البخاري (٥٠) ومسلم (١٠) عن أبي هريرة، ومسلم (٨) عن عمر بن الخطاب.