للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقد عارضَهم آخرون من المنتسبين إلى السنة في إثبات القدر، وهم فيما أثبتوه "من علم الله ومشيئته وقدرته وخلقه على الصواب الموافق للكتاب والسنة وإجماع الأمة، لكن نازعوهم فيما تنزه الله عنه من الظلم، وفيما يجب له على خلقِه من الحق، نزاعًا فيه نوع من الباطل في الجدال، وقالوا: إذا كان الله لا يتضرر بما يفعله ولا ينتفع به ولا يأمر به، فلا معنى لتنزيهه عن فعل قبيحٍ أوتسمية شيء مما يقدر عليه قبيحًا أو ظلمًا أو سَفَهًا، لأنه لا يتضرر بهذه الأشياء ولو نسبت إليه، إذ هذه الأسماء لا تكون إلا لمن ينتفع بفعله ويتضرر به، أو لمن فوقَه آمِر مُطاع أمرُه يخافُه، وإذا كان لا ينتفع بشيء من معرفةِ عباده وعبادتهم وشكرهم فلا معنى لإيجاب شيء عليهم له. وإذا كان لم يأمرهم ولم ينههم فلا معنى لقُبحِ شيء منهم، ولا معنى لقبح فعل العبد إلا كونه منهيًّا عنه، ولا معنى لحبّه إلا كونه مأمورًا به.

وهؤلاء وإن كان في كلامهم نوعٌ من المردود المخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف، فالحق الذي معهم أضعافُ الحق الذي مع الأولين، وهم الذين يجعلون العقل معرِّفًا، وهم الذين قالوا: إضرار غير مستحق. فإن مخالفة أولئك للكتاب والسنة وإجماع سلف الأئمة أوقعَهم في أمورٍ عظيمة، وعَظُمَ الذمُّ لهم بسبب ذلك. وأما هؤلاء فقصَّروا نوعَ تقصيرٍ لدقةِ الأمر وغموضِه، وحصلَ منهم نوعُ تعدٍّ باجتهادٍ قَلَّ أن يَسْلَم منه في هذه المضايقِ إلا من شاء الله، ولهذا كانوا مضافين إلى السنة والجماعة، وكان الأولون داخلين في الفرقة والخروج.