للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الإطعام يجب بعد الوطء لا قبله، بل اللفظ إن كان مطلقًا كما زعموه فلا دلالة له، لا على هذا ولا على هذا. وهذا غلطٌ يُنزَّه القرآن عنه.

وأيضًا فقوله (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً) اقتضى إيجاب الإطعام، وليس في الآية ما يقتضي تأخير الوجوب إلى بعد التماسّ، فيبقى الإيجاب يتناول الحالين، ما قبل التماسّ وما بعده، فهو واجب قبل التماس، فإن لم يفرق الواجب حتّى تماسا فعليه إخراجه بعدَ ذلك.

وأيضًا فقوله (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) مع قوله (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) دل على أن العود له مبدأٌ وله منتهىً كسائر الأفعال، فمبدؤه إذا عزم عليه، ومنتهاه إذا وطئ. وقوله "ثم يعودون" لم يرد به توقيف الكفارة على تمام العود، فإنه لو أراد ذلك لم تجب الكفارة إلاّ بعد تمام العود، وهو خلاف قوله "من قبل أن يتماسا". بل أراد به أنه يجب إخراجها بعد الشروع في العود بالعزم عليه، قبل إتمامه بالوطء. وإذا كان هذا هو مقتضى قوله "ثم يعودون" مع قوله "من قبل أن يتماسّا"، فهو إنما أوجب التكفير بالإطعام بعد هذا العود، فعُلِم أنه واجب إذا شرع في العود، وإن لم يحصل تمام العود، وإلاّ لزم اختلاف معنى العود في الآية.

وأيضًا فالكفارات هي من جنس العبادات، وفيها معنى العقوبات، كما أن الحدود هي عقوبات، وهي أيضًا عبادات، ولهذا قال: (ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ)، أي تزجرون به، وتُنهَون به، وتعاقبون به، وقد جعل من تمام العقوبة أن تحرم عليه إلى أن يكفّر، فإذا قيل: إنها لا تحرم على المكفّر بالإطعام زالت العقوبة الواجبة بالتحريم، لاسيما والتكفير .. (١).


(١) انتهى ما وُجِد من كلامه في الأصل، وما بعده غير متصل بما قبله.