للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

(ولا) يسن أن (يصلي الإمام) الأَعظم، ولا إمام كل قرية، وهو واليها في القضاء (على الغال) وهو من كتم شيئًا مما غنمه (١) . لما روى زيد بن خالد قال: توفي رجل من جهينة يوم خيبر، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال «صلوا على صاحبكم» فتغيرت وجوه القوم، فلما رأَى ما بهم قال «إن صاحبكم غل في سبيل الله» ففتشنا متاعه، فوجدنا فيه خرزًا من خرز اليهود، ما يساوي درهمين، رواه الخمسة إلا الترمذي، واحتج به أحمد (٢) (ولا على قاتل نفسه) عمدًا، لما روى جابر بن سمرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاؤه برجل قد قتل نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه، رواه مسلم وغيره (٣) .


(١) ليأخذه لنفسه ويختص به، وفي اللغة الخائن، قال القاضي عياض: لكنه صار في عرف الشرع لخيانة المغانم خاصة، يقال: غل وأغل.
(٢) ورجال إسناده رجال الصحيح، وإنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عليه زجرًا لأمثاله عن الغلول، كما امتنع من الصلاة على المديون، وأمرهم بالصلاة عليه، وفي الحديث جواز الصلاة على العصاة، وتقدم أنهم أحق بالشفاعة، وأحوج إليها، وتحريم الغلول محتم، وإن كان حقيرًا، وقد ورد في الوعيد عليه أحاديث كثيرة، وفيه معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، لإخباره بذلك، وانكشاف الأمر.
(٣) فرواه أصحاب السنن والمساند وغيرهم. واختار المجد وغيره أنه لا يصلى على كل من مات على معصية ظاهرة بلا توبة, وامتناع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه وعلى الغال، وهو الإمام الأعظم، عليه أفضل الصلاة والسلام، يدل على ذلك، وما ثبت في حقه ثبت في حق غيره، ما لم يقم دليل على اختصاصه، والأصل عدم الخصوصية وأمره بالصلاة عليهما، يدل على وجوبها عليهما، فيصلى عليهما، وعلى سائر العصاة، كسارق وشارب خمر، ومقتول قصاصًا أو حدًا أو نحوه، فإنه صلى الله عليه وسلم صلى على الغامدية، وعلى الأسلمي.
وذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء، إلى أنه يصلي على الفاسق، وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ترك الصلاة على الغال وقاتل نفسه زجرًا للناس، وصلت عليهما الصحابة، ويدل عليه قوله «صلوا على من قال لا إله إلا الله» وقوله «أما أنا فلا أصلي عليه» .
وقال النووي وغيره: مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم، ومحدود ومرجوم، وقاتل نفسه، وولد الزنا، ونحوهم، وقال أحمد: من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، نصلي عليه، وندفنه، قال شيخ الإسلام: وإن كان منافقًا، كمن علم نفاقه، لم يصل عليه، اهـ. ولو صلى الإمام الأعظم عليهما فلا بأس، كبقية الناس، وعنه: يصلي على كل، اختاره ابن عقيل وغيره، وذكره في الفروع وفاقًا، وإن تركهما أئمة الدين زجرًا فهو أولى، وإن صلى يرجو رحمة الله، ولم يكن في الامتناع مصلحة راجحة فحسن، وإن امتنع في الظاهر، ودعا له في الباطن فحسن أيضًا وتقدم.

<<  <  ج: ص:  >  >>