للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لقوله صلى الله عليه وسلم «صوموا لرؤْيته وافطروا لرؤيته» وهو خطاب للأُمة كافة (١) فإن رآه جماعة ببلد، ثم سافروا لبلد بعيد، فلم ير الهلال به في آخر الشهر أفطروا (٢) .


(١) وكذا قوله «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه» خطاب عام، ولأنه إذا رآه أهل بلد، فقد رآه المسلمون، ولا يشترط رؤية كل إنسان إجماعًا، ولأن الشهر في الحقيقة ما بين الهلالين، وقد ثبت أن هذا اليوم منه في جميع الأحكام، وهذا مع اتفاق المطالع كما تقدم، وإذا أخبر عدلان عن أهل بلد أنهم أفطروا، وفيهم قاض، اعتمد هذا الخبر، وكذا جرت العادة، على الاعتماد على كتاب القاضي، وتقرر فيه قبول شهادة الفرع عن الأصل.
(٢) لتعلق الحكم بهم، وأما أهل تلك البلد فباعتبار المطالع كما يأتي، وكذلك إذا رآه جماعة ببلد، ثم سارت بهم ريح، في سفينة أو نحو ذلك، فوصلوا آخر الليل إلى بلد بعيدة لم ير الهلال به، لم يلزمهم الصوم أول الشهر، ولم يحل لهم الفطر آخره، ولمسلم عن كريب، قال: قدمت الشام، واستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام، فرأيناه ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس. فأخبرته، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم، حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقال: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم.
والمناظر تختلف، باختلاف المطالع والعروض، فكان اعتبارها أولى، ونبه غير واحد على أنه يلزم من الرؤية في البلد الشرقي، الرؤية في البلد الغربي، من غير عكس، وعليه يحمل حديث كريب، وجزم الشيخ وغيره، بأن الشمس تطلع على أهل المشرق، قبل أهل المغرب بنصف يوم، وهو نصف منزلة للقمر، وانفصال الهلال من شعاع الشمس، بخروجه من تحتها، يجعل الله فيه النور، ثم هو يزداد كلما بعد، حتى يقابلها، فيختلف باختلاف الأقطار، وكل قوم مخاطبون بما عندهم، كما في أوقات الصلاة، وأجمعوا على أنه لا اعتبار بالحساب، لقوله «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» ولم يقل: للحساب.
وقال الشيخ: المعتمد على الحساب في الهلال، كما أنه ضال في الشريعة، مبتدع في الدين، فهو مخطئ في العقل، وعلم الحساب، فإن العلماء بالهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي، وإنما غاية الحساب منهم، إذا عدل، أن يعرف كم بين الهلال والشمس، درجة، وقت الغروب مثلاً، لكن الرؤية ليست مضبوطة بدرجات محدودة، فإنها تختلف باختلاف حدة النظر، وكلاله، وارتفاع المكان الذي يتراءى فيه الهلال، وانخفاضه، وباختلاف صفاء الجو، وكدره، وقد يراه بعض الناس لثمان درجات، وآخرون لا يرونه لثنتي عشرة درجة، فيجب طرحه، والمعول بما عول عليه الشرع.

<<  <  ج: ص:  >  >>