للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

إلى أن يقول:

وجل في الوصف عن كل الصفات وعن ... مقال ذى الشك والإلحاد والعند

من لا يجازى بنعمى من فواضله ... ولم ينله بمدح وصف مجتهد (١)

٣ - وكما كان لذى النون نظرية في المعرفة وتوحيد الله فقد كان له أيضًا نظرية في المحبة: فهو يرى أن ثمة حبًا متبادلًا بين العبد المحب وبين الرب المحبوب، وأن هذا هو الحب الإلهى الَّذي ينبغي على من تحقق به ألا يتحدث عنه أو يبوح به لمن لا يعرفون من الحب غير معناه الحسى. ويرى ذو النون أن سبيل العبد إلى إقبال الرب عليه وحبه له هو أن يكون العبد صابرًا شاكرًا ذاكرًا، أما إذا كان العبد ساهيًا لاهيًا معرضًا عن ذكر الله فذلك علامة إعراض الله عنه (٢). ويرى أيضًا أن الرب إذا آنس العبد بخلقه أوحشه من نفسه.

وإذا أوحشه من خلفها آنسه بنفسه (٣).

والمتأمل فيما أثر عن ذى النون من أقوال منثورة وقصائد منظومة، يلاحظ أنَّه يصطنع لفظتى الحب والمحبة اصطناعًا صريحًا سواء في تعبيره عن إقبال الله على العبد أو إقبال العبد على الله، وأنه باستعماله لفظة الحب بنوع خاص إنما يشارك رابعة العدوية التي عاصرته، والتى تعد أول من استعمل هذه اللفظة استعمالًا صريحًا فيما كانت تناجى به ربها، أو فيما كانت تتحدث به عن علاقتها به وإقبالها عليه وإيثارها له. وعلى الرغم من أن كتب التراجم والطبقات قد تضاربت في إثبات الصلة بين ذى النون ورابعة ونفيها، فإننا لا نستطيع مع ذلك أن ننكر ما بين مذهبيهما في الحب الإلهى واستعمالهما للألفاظ الدالة عليه والمعبرة عنه من أوجه الشبه، ومهما يكن من شيء فإنه يتبين من بعض ما أورده أبو نعيم أن ذا النون قد لقى امرأة وصفهما بأنها صديقة دون أن يذكر اسمها، وأنه استمع إليها ونقل عنها كلامًا في تعريف المحبة ووصفها جرى على لسانها في ثنايا ما دار بينه وبينها من حوار، كما نقل عنها أبياتًا في تقسيم الحب إلى حبين: حب الهوى، وحب خليق بذات الله وحده (٤).


(١) حلية الأولياء، ج ٩، ص ٣٨٨ - ٣٨٩.
(٢) حلية الأولياء، ج ٩، ص ٣٤٣.
(٣) حلية الأولياء، ج ٩، ص ٣٤٣.
(٤) حلية الأولياء، ج ٩، ٣٤٨.