للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

بالصمت لا يستطيع أحد أن يحملهم على الكلام إلا بمشقة، أما الزهرى فكان يخالفهم فى ذلك لا يضن بعلمه أبدًا على الناس. ولم يقف الزهرى عند هذا الحد، بل كان يسمح لمستمعيه الذين يدونون عنه الحديث أن يذيعوه دون أن يراجع ما دونوه. ونخص بالذكر من شيوخه عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب. وقد لزم الزهرى ابن المسيب عشر سنين لا يفارقه قط (ابن سعد جـ ٢، قسم ٢، ص ١٣٥). وأضاف الزهرى علمه إلى علم شيوخه، ومن ثم عدته الأجيال المتأخرة أعلم أهل الحديث. ومن ذلك قول مكحول "أى رجل هو لولا أنه أفسد ففسه بصحبة الملوك". ولم تقتصر مواهب الزهرى على رواية الحديث، فقد كان إلى ذلك عارفا بالتاريخ وبصيرًا بالشعر (انظر ما أسلفنا بيانه، وانظر أيضًا Bio-graphieen: Fischer ص ٧١). والزهرى أيضًا من أئمة رواة السيرة، وكان شيخ شيوخ ابن إسحق. ويدين له ابن إسحق والواقدى وابن سعد والطبرى بكثير من علمهم ويروى عنه الطبرى كثيرًا فى كلامه عن حوادث العقدين الأولين من السنوات التى تلت عصر النبوة. وتذكر بعض المصادر القديمة أنه ألف كتابًا واحدًا هو "كتاب نسب قومه". وحاجى خليفط هو أول من نسب له "كتاب المغازى". على أنه من الواضح أن الزهرى انصرف إلى جمع الحديث، ولم يكتب كتابًا منتظمًا كما فعل تلميذه ابن إسحق. والزهرى فى كثير من الأحيان يذكر إسناده فى الآثار التى تردُّ إليه، ولكنه كان فى أحيان كثيرة يغفل سنده. على أنه كان إذا استقى من عدة رواة حديثًا ورأى أن كل هؤلاء الرواة يتفقون فى جوهر الحديث، لم يفصَّل كل رواية على حدة بل يدمجها جميعًا ويذكر أسانيده كلها. وتعد هذه الطريقة أول محاولة متواضعة بذلت فى رواية الحديث بأسلوب مبتكر.

[المصادر]

(١) ابن هشام، فى مواضع مختلفة.

(٢) ابن قتيبة: كتاب المعارف، ص ٢٣٩.

(٣) الواقدى، ترجمة Welhausen الفهرست، تحت هذه الكلمة.