للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

تعاليمهم السياسية بأبحاث لاهوتية، وأكبر من كان له أثر في ذلك الأزارقة، أتباع نافع بن الأزرق. وأهم ما قرره الخوارج في ذلك أن العمل بأوامر الدين -من صلاة وصيام وصدق وعدل- جزء من الإيمان. وليس الإيمان الاعتقاد وحده، فمن اعتقد أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله ثم لم يعمل بفروض الدين وارتكب الكبائر فهو كافر.

والخوارج لم يكونوا وحدة ولم يكونوا كتلة واحدة، وإنما كان واضحًا، أنهم سرعان ما يختلفون, وينضمون تحت ألوية مختلفة يضرب بعضها بعضا, ولو اتحدوا لكانوا قوة في منتهى الخطورة على الدولة الأموية. لذلك لا نستطيع أن نذكر ما هو من تعاليمهم مشترك بين جميعهم إلا النظريتين السابقتين: نظرية الخلافة، ونظرية أن العمل جزء من الإيمان. حتى هاتان النظريتان ليستا من اعتقاد جميعهم إلا بقليل من التسامح؛ فمنهم من يرى أن لا حاجة للأمة إلى الإِمام، وإنما على الناس أن يعملوا بكتاب الله من أنفسهم، ويظهر أن هذه الفكرة هي التي كان يفهمها بعضهم من جملتهم المشهورة: "لا حكم إلا لله" ولكن قيل: "كلمة حق يراد بها باطل، نعم إنه لا حكم إلا لله! ولكن هؤلاء يقولون: لا إمْرَة إلا لله، وإنه لابد للناس من أمير بَر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوى حتى يستراح بر، ويستراح من فاجر"؛ وقد قال ابن أبي الحديد: "إن الخوارج كانوا في بدء أمرهم يقولون ذلك، ويذهبون إلى أنه لا حاجة إلى الإِمام، ثم رجعوا عن ذلك القول لَما أمروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبي" (١).

على كل حال قد اتفق جمهور الخوارج على النظرتين السابقتين، وتفرقوا إلى فرق بلغت في العدد نحو العشرين، كل فرقة تخالف الأخرى في بعض تعاليمها, ولا يسع هذا المختصر ذكر جميعها (٢): غير أنا نذكر هنا أن من أشهر فرقهم الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق، وكان من أكبر فقهائهم وقد كفر


(١) جزء ١: ٢١٥.
(٢) ارجع إلى ذلك في الملل والنحل للشهرستانى، والمقالات الإِسلامية للأشعرى، والفرق بين الفرق للبغدادي.