للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

على أن هذا النصر الجديد زود الفاتحين بمواثيق جديدة؛ ولم يكن دوقا إسبوليتو Spoleto وتوسكانيا Tuscany بريئين من الاشتراك فى الأسلاب، والحق إن سيادة الأغلبى كانت تامة إلى حد أن البابا يوحنا الثامن وجد من الحكمة أن يؤدى له الجزية سنتين، ولقد حجب الهلال الصليب بلا ريب فى ذلك الحين.

على أنه بقيت بعد بضع مدن لم تحن رأسها، ذلك أن قوة العرب لم تكن مستطيعة أن تخضع كل مكان على طول الساحل، بل إن الفتنة كانت ترفع رأسها حتى فى المراكز الكبرى مثل بلرم؛ ففى سنة ٩٠٠ ثارت فتن خطيرة هددت السلام فى قصبة البلاد، على أن النذر داخل المعسكر الإسلامى كانت أشد حلكة وظلامًا، فبينما كان الأمر يقتصر من قبل على الدمدمة العالية أو الحركات السرية إذا به ينقلب حروبًا أهلية، وظهر إبراهيم بشخصه فى صقلية ليثبت وجوده، وبفضل حضوره سقطت تاورمينا ورامطة Rametta (٩٠٨)، بيد أن وفاته كانت السبب فى حرب ضروس أخرى حالت دون فتح صقلية الشرقية، وتنفس المسلمون الصعداء عندما أبرموا معاهدتهم مع الإمبراطور قسطنطين بورفيروكينتوس Constantine Porphyrogenitus سنة ٩٥٦ م، فلما عادوا للاستيلاء على تاورمينا سنة ٩٦٣ ورامتا سنة ٩٦٥، كان الشعب الإسلامى فى صقلية قد غلب على أمره، بعد أن ظل هذا الشعب يناضل ١٣٨ عاما فى سبيل سيادة الجزيرة وراح ينعم بهذه السيادة ٧٣ سنة أخرى، وقد ظلت ثقافة الشرق تنساب طوال هذه المدة فى عقول أهل صقلية وفى قلوبهم وامتزجت فيهما بتراث اليونان ورومة النفيس، وقد أسفر قراع العقل بالعقل عن طراز فى الحياة لا مثيل له فى التاريخ، فقد اجتمع هناك كل ما فى الشرق من روحانيات وكل ما فى اليونان من جمال وكل ما فى اللاتين من حمية ونشاط، ولم يكن ثمة سبيل إلى السلام إلا بالتسامح، وإن كانت صقلية قد سارت فى أى طريق فإن هذه الطريق كانت بلا جدال طريق التسامح.