للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

فقال الحجّاج لجلسائه: أتدرون ما عنى الرجل؟ أمّا الإشواء فما لم يصب مقتلا، وأمّا الإنماء فما حمل الرميّة حتى تتغيّب عن صاحبه.

وأمّا الإصماء فما أقعصه مكانه. وأمّا الصيغة فعمل يديه.

ثمّ دعا المهلّب بقطن بن قبيصة الهلاليّ، وأخبر بشرفه ونجدته وبلائه، وقال: ما أعلم فيه عيبا عند الحرب إلّا ضعف صوته.

فقال الحجّاج: أو تعدّون ذلك في الحرب عيبا؟

قال: نعم.

فأحسن جائزته وولّاه إصطخر، وتزوّج ابنته أمّ خالد بن [ت] قطن. ثمّ قال الحجّاج للمهلّب: يا أبا سعيد، أيّ أمرك أحبّ إليك إذا لقيت عدوّك؟

قال: أحبّ الأناة وأكره العجلة.

فقال الحجّاج: إنّ في اللقاء [٣٢٦ ب] لراحة.

قال: ذلك إذا كانت لك العاقبة.

فلمّا خرج المهلّب من عند الحجّاج قال: لقد رأيت رجلا لا يدع بالعراق شرفا إلّا وضعه.

ثمّ قال الحجّاج للمهلّب: يا أبا سعيد، لو أعنت الأمير- يعني نفسه- على هديّة أمير المؤمنين؟

فقال: نعم، حكمك أيّها الأمير.

قال: ألف ألف درهم.

فلمّا انصرف قال له بنوه: أتدري ما صنعت؟

من أين تجمع ألف ألف؟ والله لو حملتها إليه جملة لقد طلب إليك أضعافها.

قال لهم: أتأمروني أن أرجع عن شيء قد تكلّمت به؟ ما هذا بكائن.

وأمر بجمعها، فجعل الحجّاج يقول له كلّما دخل عليه: يا أبا سعيد، ما صنعت في حاجتي؟

فيقول: نعم، أنا في جمعها.

فلمّا اجتمعت حملها إليه. فأخرج له عهده من عبد الملك على خراسان، وذلك بعد مقام المهلّب ثلاثة أشهر بالبصرة، وعلى خراسان يومئذ أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد. وكان الحجّاج يكتب إلى عبد الملك يسأله ولاية خراسان، فيأبى عليه كراهة لعزل أميّة. فلمّا قدم المهلّب البصرة، كتب الحجّاج إلى عبد الملك يسأله ولاية خراسان للمهلّب، فبعث إليه بعهد المهلّب عليها، وأمره أن يصرف أميّة صرفا جميلا. وكتب إلى المهلّب أن يقيم بالبصرة تمام سنة، وأن يقدّم رجلا من ولده إلى خراسان. فندب ابنه حبيب بن المهلب إليها، فدعاه الحجّاج وقال: اعرض عليّ دوابّك التي تسير عليها.

فعرضها قال: ما أرى شيئا أرضاه لك.

وأمر له من مربطه ببغلة خضراء، فقال: «اركب هذه»! وأمر له بعشرة آلاف درهم.

فسار حبيب على تلك البغلة لم يحوّل عنها سرجه إلى مرو في سبع عشرة ليلة. فلمّا دنا من باب المدينة تلقّاه حمل حطب فنفرت البغلة وحاصت (١). وكان حبيب يتعجّب من نفارها بعد ذلك الجهد وشدّة السير. وأقام بمرو عشرة أشهر حتّى قدم عليه المهلّب في صدر سنة تسع وسبعين.

[اختباره مروءة أبناء المهلّب]

وقد كان الحجّاج كتب إلى المغيرة بن المهلّب، وهو على كرمان يأمره بالقدوم عليه، فلمّا سار المهلّب إلى خراسان، وكان بالأهواز، تلقّاه بها أولاده الثلاثة، وهم: المغيرة وعبد الملك ويزيد،


(١) هكذا في المخطوط، ولم نجد لها في المعاجم معنى النفور.

<<  <  ج: ص:  >  >>