للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

ولا عقله، فإذا بلغ واحتنك (١) حينئذ نقيسه ونختبره نرجو بذلك حادثا يكون فيه الفرج لإبراهيم.

[خلع إبراهيم لديانة قومه الوثنيّين]:

فلمّا تمادى الحال خلع إبراهيم ذلك كلّه ونابذ قومه في الله ولم يراقب شيئا ولا خاف سوى الله سبحانه. ودعا إلى عبادة الله فبلغ ذلك نمروذ فحبسه في السجن سبع سنين وبنى له جامرا (٢) وأوقده بالحطب الجزل وألقاه فيه.

وقال محمد بن جرير الطبري (٣): كان من شأن إبراهيم صلّى الله عليه وسلم أنّ الله عزّ وجل لمّا أراد أن يبعثه حجّة على قومه ورسولا إلى عباده، ولم يكن فيما [بين] نوح وإبراهيم عليه السلام نبيّ إلّا هود وصالح، فلمّا تقارب زمان إبراهيم عليه السلام طلع كوكب على نمروذ فذهب بضوء الشمس والقمر، ففزع من ذلك ودعا المنجّمين والكهنة والقافة، وسألهم عنه فقالوا له: يخرج من ملكك رجل يكون على يده هلاكك وذهاب ملكك.

وكان مسكنه ببابل فخرج من قري [ت] هـ إلى قرية أخرى، وأخرج الرجال وترك النساء وفرّق بينهم وأمر أن لا يولد مولود ذكر إلا ذبح. فكان يذبح أولادهم، ثم بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها إلّا آزر أبا إبراهيم، فدعاه وأرسله في الحاجة وقال: لا تواقع أهلك! .

فقال: أنا أضنّ بديني من ذلك.

فلمّا دخل القرية ونظر إلى أهله لم يملك نفسه حتّى واقع زوجته. ففرّ بها إلى قرية بين الكوفة والبصرة يقال لها أود، فجعلها في سرب. وكان

يتعهّدها بالطعام والشراب.

وإنّ الملك لمّا طال عليه الأمر قال: هذا قول سحرة كذّابين. ارجعوا إلى بلدكم.

فرجعوا.

وعن وهب: بعث الله تعالى إبراهيم إلى أرض بابل، والغالب عليهم في ذلك الزمان علم النجوم، حتّى إنّ الرجل ليولد له المولود فيقيم طالعه ساعة ولد، فإن كان مسعودا ربّاه، وإن كان منحوسا ذبحه فأتاهم إبراهيم عليه السلام فغلب النجوم، فكان يحكم فلا يخطئ، ويحكمون فيخطئون ويكذبون.

وقال الله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ* فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٨ - ٨٩] وأنزل عليه، سبحانه، عشرين صحيفة فيها عشرون كتابا بخطّ السريانيّ.

وكان نمروذ والذين اتّبعوه بأرض بابل يعبدون النجوم اتّخذوها آلهة. فقوم يعبدون الشمس، وقوم يعبدون غير ذلك من الدراريّ السبعة (٤) ويزعمون أنها آلهة تملك ضرّهم ونفعهم، وحياتهم وموتهم. فأقام عليهم الحجّة كما أخبر الله تعالى بقوله: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ [الأنعام: ٧٦] فقالوا:

نَعْبُدُ أَصْناماً [الشعراء: ٧١]، وسمّوها بأسماء الدراريّ. فأخذ إبراهيم قدّوما وأتاها ليلا وكسرها وعلّق القدّوم على عنق صنم الشمس وهو أكبرها.

فلمّا رأوها قالوا: مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا [الأنبياء: ٥٩]، قال رجل منهم: سمعت إبراهيم يذكرها.

فأتوا إبراهيم فقالوا: من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟

قال لهم: سلوا كبيرهم هذا إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ [الأنبياء: ٦٣].


(١) احتنك الدهر الرجل: جعله مجرّبا حكيما.
(٢) الجامر: لا وجود لهذه الكلمة في المعاجم. والمعنى واضح.
(٣) تاريخ الطبري ١/ ٢٣٦.
(٤) الكوكب الدّريّ بضمّ الدال وكسرها: الثاقب الكثير الإنارة والدراريّ السبعة هي الكواكب السيّارة (اللسان).

<<  <  ج: ص:  >  >>