للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

وأبوه، وربّما اختار. وكان من أهل القرآن والعلم والأدب متفنّنا في علوم، حسن المذاكرة والعلم بالحديث والأخبار وأيّام الناس والشعر في الجدّ والهزل. وعمل كتابا في الفقه أجاب فيه عن مسائل مختصر المزني (١) على قول مالك، واختصر تفسير الجبّائيّ (٢) وتفسير البلخيّ (٣).

[[تفاوضه مع جوهر]]

ولم يزل ينظر في الأحكام إلى أن وصل القائد جوهر. فخرج أبو الطاهر، ومعه أبو جعفر مسلّم بن عبيد الله الحسينيّ وأبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد الرسّيّ وجماعة، فرافقوه وشرطوا شروطا أجابهم إليها وكتب لهم سجلّا.

وخلع على القاضي أبي الطاهر والجماعة.

ثمّ وافى المعزّ لدين الله ومعه قاضيه النعمان بن محمد، فلقيه أبو الطاهر وسائر الشهود بالإسكندريّة، فخلع عليه وحمله وحده وأقام القاضي النعمان لا ينظر في شيء اختيارا، وكان يخالف قول مالك في الحكم باليمين مع الشاهد.

ويحكى أنّ أباه وإسماعيل بن إسحاق (٤) كانا لا يحكمان به، وكانا مالكيّين. وكان إذا شهد عنده الشاهد الواحد ليس معه سواه ردّ الحكم.

(قال): وركب العزيز بالله إلى الجنان بالجزيرة مستهلّ صفر [٨٠ ب] سنة ستّ وستّين وثلاثمائة، فلقيه أبو طاهر ومعه الشهود عند باب الصناعة،

فسأله استخلاف ابنه أبي العلاء بسبب ما يجده من الضعف. فحكي أنّ العزيز قال: ما بقي إلّا أنّ تقدّدوه!

ثمّ قلّد العزيز بالله ثالث هذا اليوم [٤ صفر ٣٦٦] القاضي عليّ بن النعمان، فكانت ولاية أبي الطاهر ونظره في الأحكام ستّ عشرة سنة وسبعة عشر يوما (٥).

وأقام عليلا، وأصحاب الحديث ينقطعون إليه ويسمعون منه.

وقال ابن ماكولا: كان ثقة ثبتا كثير السماع فاضلا (قال) وهذا بيت جليل في الحديث والقضاء.

وقال الخطيب: وكان قاضيا بمصر ثمّ استعفى قبل موته بيسير، وكان قد ولي القضاء بمدينة المنصور وبالشرقيّة (٦)، وكان ثقة ثبتا.

[أنفته من تقبيل الأرض للمعزّ]

وقال السّلفيّ: لمّا ورد المعزّ مصر من المغرب استقبله الناس على طبقاتهم مشاة، فلمّا رأوه قبّلوا الأرض بين يديه كلّهم سوى القاضي أبي الطاهر الذهلي، فإنّه كان راكبا، ولمّا قرب منه ترجّل وسلّم عليه ولم يقبّل الأرض. فالتفت إلى خواصّ حجّابه وقال: من هذا الذي خالف الناس كلّهم؟

فقيل: قاضي مصر، وهو من أهل العلم والدين.

ثمّ لامه أحد الحجّاب سرّا فيما فعل فرفع صوته [٨١ أ] وقال جهرا بحيث يسمع المعزّ: يا هذا، هو


(١) المزني إسماعيل بن يحيى صاحب الشافعيّ، ومختصره «هو أصل الكتب المصنّفة في مذهب الشافعي» (الوفيات ترجمة رقم ٩٣)، وتوفّي سنة ٢٦٤ بمصر.
(٢) الجبّائي (٣١٧/ ٩٢٩): أحد رءوس المعتزلة، له تفسير (وفيات الأعيان، رقم ٣٣٠).
(٣) البلخيّ: عبد الله بن أحمد الكعبيّ (ت ٣١٧) أحد رءوس المعتزلة أيضا. (وفيات رقم ٣٣٠).
(٤) إسماعيل بن إسحاق الأزدي: «القاضي المالكي البصري» (ت ٢٨٢/ ٨٩٦).
(٥) مرّ في كلام عبد الغنيّ أنّه أقام على القضاء ثماني عشرة سنة.
(٦) الشرقيّة ومدينة المنصور: قسمان من بغداد. فمدينة المنصور هي نواتها الأصليّة، والشرقيّة محلّة بشرقي مدينة المنصور، وكلاهما في الجانب الغربي من بغداد.

<<  <  ج: ص:  >  >>