للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

وكان لا يبايع أحدا إلّا قال له: «اشهد على نفسك أنّك كفرت! »، فإنّ قال: نعم، بايعه، وإلّا قتله.

وأقام بالكوفة شهرا، وأنزل أهل الشام بيوت الناس مع أهلها، فكان أوّل من أنزل الجند في بيوت غيرهم فاقتدي به من بعده. ثمّ خرج يريد ابن الأشعث وقد اجتمع له خلق، فاقتتلا خمسة عشر يوما من شعبان أشدّ قتال آل إلى هزيمة ابن الأشعث، وقتل عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه، وأبي البختري الطائي في أربعة آلاف من شجعان أهل الكوفة والبصرة، وسيّر الحجّاج ابنه محمد بن الحجّاج في طلب ابن الأشعث فقاتله في عدّة مواضع، وهو ينهزم منه حتى لحق برتبيل فأكرمه وأنزله، فما زال به الحجّاج حتى قتله وحمل إليه رأسه كما ذكر في ترجمة عبد الرحمن بن الأشعث (١).

[[بناء مدينة واسط]]

وفي سنة ثلاث وثمانين اختطّ الحجّاج مدينة واسط ونزلها، فقال له جامع المحاربيّ: بنيتها في غير بلدك، وأورثتها غير ولدك. وكذلك من قطعه العجب عن الاستشارة، والاستبداد عن الاستخارة. وكان سبب بنائه لها أنّه ضرب بعثا على أهل الكوفة إلى خراسان، فعسكروا بحمّام أعين. وكان فتى من أهل الكوفة من بني أسد حديث عهد بعرس بابنة عمّ له، انصرف من العسكر إلى زوجه ليلا، فبينا هو معها إذ دقّ الباب طارق دقّا شديدا، فقال الأسدي: ما هذا؟

قالت له زوجته: هذا رجل من أهل الشام يأتي بابنا في كلّ ليلة سكران فيفعل ما تسمع، وهو يريد المكروه ويتعرّض للمنكر، وقد شكوته إلى شيوخ أصحابه.

فقال: ائذني له بالدخول.

فلمّا دخل قتله، وقال لزوجته: إذا صلّيت الفجر فابعثي إلى الشاميّين أن يخرجوا صاحبهم عنك، فإنّهم سيأتون بك الحجّاج فاصدقيه الخبر على وجهه.

ورفع القتيل إلى الحجّاج، وأدخلت المرأة عليه فأخبرته خبرها، فقال: «صدقتنّ! » ثمّ قال لأولياء المقتول: «ادفنوا صاحبكم»، ثمّ نادى مناديه: لا ينزلنّ أحد على أحد!

وأخرج أهل الشام فارتاد لهم منزلا فأمعن حتّى نزل أطراف العسكر، فبينا هو كذلك إذا براهب قد أقبل على أتان له وعبر دجلة، فلمّا كان موضع واسط تفاحجت الأتان فبالت، فنزل الراهب واحتفر موضع ذلك البول وحمله حتّى رمى به في دجلة، وذلك بعين الحجّاج، فقال: «عليّ به! » فلمّا أتاه قال: ما حملك على ما صنعت؟

قال: إنّنا نجد في كتبنا أنّه يبنى في هذا الموضع مسجد يعبد الله فيه ما دام في الأرض أحد يوحّده.

فاختطّ الحجّاج مدينة واسط، وبنى المسجد في ذلك الموضع، وقيل: كان بالقرب موضع يسمّى واسط القصب، وهي التي بناها الحجّاج أوّلا قبل أن يبني هذه المدينة التي تدعى اليوم واسط، فلمّا بنى هذه سمّاها واسط بها. وقيل: بل سمّيت لتوسّطها المصرين البصرة والكوفة لأنّ منها إلى كلّ واحدة منهما خمسين فرسخا. ومنها أيضا إلى كلّ من بغداد والأهواز خمسون فرسخا، فواسط مدينتان: كسكر [والنيل] (٢). وابتنى الحجّاج


(١) هي الترجمة رقم ١٤٣٩.
(٢) في المخطوط: مدينتان كسكر وابتنى، فزدنا النيل بناء على ما قال ياقوت في ترجمته لواسط: ... ومصر مدينة النيل، ولعلّ النيل هي المدينة التي ابتناها بالجانب الغربيّ من نهر الصين بعد أن احتفر نهري النيل والزاب (انظر في معجم البلدان: النيل والصين أيضا).

<<  <  ج: ص:  >  >>