للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

السفاتج ولم تظهر تفرقته ألفي ألف دينار ومائتي ألف دينار.

ولمّا فرّق أبو الجيش كسوة أبيه أحمد بن طولون في حاشيته لم يخل ثوب منها من إرفاء، ووجد في بعضها رقعة.

ووقع بدمشق وهو بها، حريق. فركب إليه ومعه أبو زرعة عبد الرحمن، وعمرو، وأبو عبد الله أحمد بن محمد الواسطيّ كاتبه حتّى طفئ الحريق. ثمّ أمر بإخراج سبعين ألف دينار من ماله فرّقت فيمن احترق له شيء، وقبل قول من ادّعى تلاف شيء، ولم يحلّفه، يجري ذلك على يد أحمد بن محمد الواسطيّ بحضرة شيوخ دمشق، ففضل من المال فضلة صالحة، فأمر أحمد بن طولون بها ففرّقت على أصحاب الحريق بقدر سهامهم. ثمّ أمر بمال عظيم ففرّق في فقراء أهل دمشق وفقراء الغوطة والنواحي، فأقلّ ما نال الواحد دينار.

[حزمه وجدّه]:

وكان يقول: ينبغي للرئيس أن يجعل افتقاده على نفسه، وتسامحه على حاشيته وقاصديه، فإنّه يملكهم ملكا لا يزول به عن قلوبهم، ولا تفسد معه سرائرهم.

وكان قويّ الفكر كثير السهوة من استغراقه في أموره، حتى إنّه دعا مرّة بالطشت ليتوضّأ بالعتمة، ومدّ يده فأكبّ الغلام بالإبريق ليصبّ عليه.

وشخص أحمد بن طولون إلى الشمعة فلم يزل ممدود اليد، ناظرا إلى الشمعة، غائبا في فكر، والغلام [ينظر]، إلى أن أذّن المؤذّن لصلاة الصبح، فكأنّه انتبه، وقال: يا هذا، فاتتنا والله العتمة! - وسقط الغلام من قامته، وأقام عليلا مدّة.

وكان يحبّ فعل الخير. فاتفق أنّه انصرف مرّة من ناحية حلوان في يوم شديد الحرّ. فانفرد عن عسكره وحده، ومرّ على مسجد الأقوام وفيه خيّاط، وقد بلغ منه العطش مبلغا كبيرا. فقال: يا خيّاط، عندك ماء؟

فأخرج له كرّازا (١) وقال له: اشرب ولا تمدّ!

فتبسّم أحمد بن طولون وشرب ومدّ فيه حتى شرب أكثره. وناوله الكرّاز [٩٠ ب] وقال: يا فتى، سقيتنا وقلت: لا تمدّ فيه!

فقال: نعم، أعزّك الله، موضعنا منقطع، وأنا أخيط جمعتي حتّى أجمع ثمن راوية.

فقال: والماء عندكم معوز؟

قال: نعم.

فمضى أحمد حتّى [إذا] جلس في داره أحضر الخيّاط فقال له: صر مع المهندسين حتى يخطّوا عندك موضع سقاية ويجروا الماء. وهذه ألف دينار، خذها وابتدئ في الإنفاق.

وأجرى على الخيّاط في كلّ شهر عشرة دنانير، وقال له: بشّرني ساعة يجري الماء فيها.

فلمّا كملت السقاية وجرى الماء، أتاه الخيّاط بشيرا. فخلع عليه وحمله واشترى له دارا ليسكنها وأجرى عليه الرزق السنيّ.

وكان في جملة أحمد بن طولون رجل فأعطاه برذونين. ثمّ أعطاه مرّة أخرى برذونين. فلزمه بسبب ذلك مؤونة، وكان متحمّلا. فاتّفق أنّ أحمد بن طولون سخط على شخص وقال لجماعة مجلسه: أريد [أن] أعاقب فلان [ا]، فإيش ترون أن أعاقبه؟

فقال صاحب البراذين: أيّد الله الأمير، ادفع


(١) الكرّاز: كوز ضيّق الرأس.

<<  <  ج: ص:  >  >>