للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

قدر على أخذ هذه النعل من الموضع الذي تعرفه أليس هو قادر [ا] على أخذ روحك؟ وو الله لقد قام عليه أخذه هذه النعل بخمسين ألف دينار (١).

فعند ذلك خاف أحمد بن طولون وبني حصن الجزيرة ليحصّن به حرمه وأمواله.

[[شيء من أخباره]]

ووقف له رجل [ينتحل التصوّف] وقد انصرف من صلاة الجمعة، فقال: أيّها المسرف على نفسه، المتمرّد على ربّه! فقد أرعيت أصحابك دينك وأفرشتهم أمانيك، وأخفت الناس خوفا منعهم من صدقك. وأنا لسان جماعاتهم إليك.

فأمر بالقبض عليه، وإحضار شيوخ مصر ووجوهها، وكانوا متوافرين. فلمّا حضروا وافى كاتب خبر السرّ برقعة يصف فيها قول الرجل المذكور. فقرأها عليهم أحمد بن أيمن (٢) الكاتب. ثمّ قال لهم أحمد بن طولون: ما هذا الذي أنكرتموه، ولم تصبروا عليه [حتّى أوفدتم الصوفيّ إليّ؟ ].

فحلفوا أنّهم ما أنكروا له فعلا، ولا بعثوا إليه أحدا. فأحضر الرجل وقال: أليس ذكرت أنّ أهل البلد نصبوك للقول فيما أنكروه؟

فقال: نصبني لهذا المظلوم والمقهور ومن مسّه جور أصحابك وسوء رعايتهم.

فقال له: لست أعجل عليك. أخبرني: ما اتّضح لك إنكاره؟

قال: لي ثلاثة أيّام أتجسّس عن بعض أصحابك وأتلطّف له حتى وقفت على امرأة طبّالة لا سبيل له عليها تدخل إليه وتبيت عنده.

واشترى رجل من أصحابك غلاما [أمرد

فنصب] له طرّة، وعمل له قرطقا ولبّسه أثوابا لا يسمح بها إلّا فاسق.

فقال له أحمد بن طولون: أمّا أنت، فقد دللتنا على عورتك وأعلمتنا أنّ التجسّس المنهيّ عنه، والظنّ السّيّئ الذي يعدّ أكثره في الآثام قد ينهاك على ما أردت الله به، ولله ستر على خلقه لا ينهتك بما التمسته. وأنا أرى أنّك إلى التأديب أحوج منك إلى التأنيب. ولعلّ دخائلك الرديئة أوضح من دخائل من سفّهته واستعنت عليه بما لا يجوز لمتديّن أن يتسبّق به في قطع الحكم على أحد من الناس.

فقال رجل ممّن حضر: أيّها الأمير، إنّ هذا الرجل رام أن يترأّس الدنيا بالكذب علينا. وأنا أشهد- وعدّة من المسلمين- أنّ منزله الذي يسكنه غصب، وأنّ طعمته من إخافة بعض من بعض جاهه من ذوي اليسار (٣).

فعجّ الحاضرون بتصديقه. فأمر بضربه مائة سوط وطاف به على جمل.

واستدعى مرّة عبد الله بن القاسم كاتب ابنه العبّاس، بعد مضيّ ثلث الليل. فوافاه وهو مذعور، حتى دفع إلى بيت مظلم. فقيل له: سلّم!

فقال: السلام على سيّدنا الأمير الأجلّ ورحمة الله وبركاته.

فقال أحمد بن طولون [من داخل البيت، وهو في الظلام]: وعليك السلام. لأيّ شيء يصلح هذا البيت؟

فقال: للفكر.

قال: ولم ذاك؟

قال: لأنّه ليس فيه شيء يشغل الطرف.


(١) حادثة النعل المسروقة في الخطط ٢/ ١٨٠.
(٢) انظر ترجمته رقم ٤٣٢.
(٣) سيرة ابن طولون ٢١٦: من إخافة المستورين.

<<  <  ج: ص:  >  >>