للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

الخزندار (١)، وهم تسعة وعشرون ألف فارس وغازان نحو مائة ألف. فترتّب العسكر، ووقف الأمير عيسى ابن مهنّأ في رأس الميمنة ويليه الأمير بلبان الطبّاخي نائب حلب بعساكر حلب وحماة.

ووقف في الميسرة الأمير بكتاش الفخري أمير سلاح، والأمير جمال الدين آقوش قتّال السّبع، ونجم الدين سنجر الدواداري، وطغريل الإيغانيّ، والحاج كرت نائب طرابلس، في كثير من الأمراء والعساكر. ووقف في القلب الأميران بيبرس الجاشنكير وسلّار، وبرلغي وقطلوبك الحاجب، وأيبك الخازندار في جمع كبير، وجعلوا جناحهم المماليك السلطانيّة. ووقف السلطان ومعه الحسام [لاجين الدوري] أستادار على بعد من المصافّ حتى لا يعرف فيقصد. وتقدّم خمسمائة مملوك من الزرّاقين تجاه العساكر. وبينا هم في ذلك إذ نزل بالأمير بيبرس مرض منعه من الركوب، فاعتزل ناحية. وركب الأمير سلّار بالحجّاب والأمراء والفقهاء، ودار على العساكر.

وأخذ الفقهاء في وعظ الناس وتقوية عزائمهم على الثبات حتّى كثر البكاء واشتدّ النحيب. ومع ذلك فلم يتحرّك غازان ولا أحد ممّن معه، وقد تقدّم إليهم أن يراعوه جميعا بنظرهم حتى إذا حمل على عساكر المسلمين حملوا معه حملة واحدة، فقلق العسكر من ثباته وبادر إلى لقائه وأشعل الزرّاقون النار في النفوط، وحملوا على غازان فلم يعبأ بهم ووقف في موضعه. فمرّت خيول المسلمين تعدو عدوا سريعا، ثمّ قصّرت لمّا طال المدى، وخمدت نار النفط.

[هزيمة وادي الخزندار- ربيع الأوّل ٦٩٩]

فانقضّ عند ذلك غازان بجموعه وخرقهم، وبين يديه عشرة آلاف راجل يرمون بالنشّاب رميا

متتابعا تلف به كثير من الخيول وسقط عنها الفرسان إلى الأرض وكان أكثرها في العربان فولّوا منهزمين، وتبعتهم عسكر حلب وحماة. فتمّت هزيمة الميمنة من ميسرة غازان وصدمت ميسرة المسلمين ميمنة غازان، ففرّقت جمعها وشتّتتها عن آخرها وقتلت منها نحو الخمسة آلاف، وكاد غازان أن يولّي. ثمّ ثبت حتى تلاحق به أصحابه وحمل بهم على القلب، فولّى الأمير سلّار النائب ومعه بكتمر الجوكندار وبرلغي وسائر البرجيّة، وركب غازان أقفيتهم بحيث كانت سهامه تقع في خوذهم.

فبكى السلطان وجعل يدعو الله ويقول: يا ربّ لا تجعلني كعبا نحسا (٢) على المسلمين! - وهمّ أن يفرّ فمنعه [٨٧ ب] الحسام لاجين أستدار وثبّته.

وأخذ من معه يتسلّل حتى بقي في اثني عشر مملوكا. هذا والميسرة الإسلاميّة قد مرّت في إثر ميمنة غازان تقتل وتأسر ولا علم لها بما وقع بالميمنة والقلب من الكسرة. فلمّا عادت إلى ظاهر حمص بعد العصر بالغنائم رأت البرجيّة منهزمة والتتر في أعقابها فسقط في أيديهم.

ثمّ إنّ غازان خاف أن يكون للمسلمين كمين فكفّ عن اتّباعهم. ووافى المنهزمون حمص عند غروب الشمس وقد أخذ التتر سائر ما كان معهم فغنموا ما لا يدخل تحت حصر، وصار الأمراء والعسكر يلقي كلّ أحد منهم ما عليه من السلاح فيتركه خلفه يريد نجاة نفسه إلى أن وصلوا بعلبك، وخيولهم لا تكاد تخطو من العيّ والكلال، بكرة يوم الجمعة. فامتاروا منها ومرّوا على وجوههم إلى دمشق فدخلوها يوم السبت أوّل ربيع الآخر.

ومضى كثير منهم على الساحل. فماجت مدينة دمشق وجفل أهلها بأجمعهم وتركوا أموالهم وتشتّتوا في سائر الجهات. ومرّ العسكر أيضا يريد


(١) بين حماة وحمص، السلوك ١/ ٨٨٦، هامش ٣.
(٢) الكعب هو القدم يقال: فلان كعبه مبارك ج أكعاب (دوزي).

<<  <  ج: ص:  >  >>