للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

ثمّ إنّ الآمر ردّ الأمر إلى جوامرد قبل قتله بقليل. فتحدّث في المظالم، ونظر في أحوال الجند، وصار كأنّه في شيء من أمر الوزارة، وطمع في الوزارة.

فلمّا قتل الآمر أشاع أنّه عهد أن يكون ابن عمّه أبو الميمون عبد المجيد [العسقلاني] (١) كفيلا لحمل في بطن بعض جواريه. وعضده رفيقه برغش حتّى قاما بأمر أبي الميمون وأجلساه كفيلا، ونعت بالحافظ لدين الله (٢). وبايعه الناس يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وخلع على جوامرد خلع الوزارة.

واشمأزّت نفسه من الأمير السعيد أبي الفتح يانس متولّي الباب وأراد القبض عليه. فغمز [هـ] برغش وأومأ إليه بالخروج من القصر، وكان ذلك سببا لسلامته (٣).

وعند ما دفن الآمر بكّر (٤) الجند إلى القصر، وقد داخل برغش الحسد لجوامرد على الوزارة وشقّ عليه تقدّمه، [ف] تحيّل [٣٠٦ أ] حتى أخرج أبا [عليّ] كتيفات أحمد، ابن الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي من القصر إلى الأجناد.

فعند ما رأوه تعلّقوا به وقالوا: ما يكون الوزير إلّا ابن الأفضل! - وقاموا بدعوته وحصروا القصر، ونصبوا السلالم إلى المنظرة، وصعد إليها الأمير

[ ... ] (٥) ابن شاهنشاه، وقال للأستاذين: يا قوم، هذه فتنة تقوم ما يسواها (٦) هذا الذي خلعتم عليه، ويحصل من ذلك [٤٠٣ ب] على الخليفة من العوامّ (٧) وسوء أدب جهّال العسكر ما لا يتلافى.

وما هذا منّي والله إلّا نصيحة لمولانا، فإنّني قد علمت من رأي القوم ما لا علمتم. أخبروا مولانا عنّي بهذا.

فلمّا بلغه ذلك قال لجوامرد وهو بخلع الوزارة بين يديه: ها أنت تسمع ما يقال.

فقال: يا مولانا، أنا في محلّك، ووزارتي بوصيّة خليفة قبلك، فاتركني أخرج لهؤلاء الفعلة الصنعة!

فقال له الحافظ: لا سبيل إلى فتح باب القصر في مثل هذا الوقت، وقد فعلنا في أمرك ما رتّب لك، وهذه الخلع عليك. ولكن قد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه: لا رأي لمن لا يطاع.

واشتدّ الأمر وعظم تموير (٨) العسكر، فقيل لابن شاهنشاه: «قد أجبتم إلى وزارة أبي عليّ».

فلمّا بلغ ذلك لرضوان (٩) وأصحابه قالوا: قل له يسلّم لنا جوامرد!

فامتنع الحافظ من تسليمه حتى تكاثروا على


(١) ولد عبد المجيد بعسقلان في المحرّم ٥٠٧، فكان يقال له العسقلانيّ (اتّعاظ ٣/ ١٣٧).
(٢) ذكر المقريزيّ في الخطط ١/ ٤٠٦ هذا التصرّف من جوامرد وبرغش «العادل»، والآمر قتل سنة ٥٢٤.
(٣) الضمائر هنا ملتبسة والتعبير غامض. والرواية أكثر وضوحا في الاتّعاظ.
(٤) في الاتّعاظ ٣/ ١٣٧: اجتمع بين القصرين خمسة آلاف فارس وراجل، وعليهم رضوان بن ولخشي أحد الأمراء أرباب الشجاعة.
(٥) في الاتّعاظ: وأطلعوا على المنظرة أميرا يقال له ابن شاهنشاه، ولعلّه أخ لكتيفات.
(٦) هكذا في المخطوط، ولعلّه تعبير عامّيّ بمعنى: لا يستحقّها.
(٧) في المخطوط: من الغرامة، وأخذنا بقراءة ناشر الاتّعاظ ٣/ ١٣٨.
(٨) في المخطوط: غوير، ولم نجدها في معنى الجلبة والتمرّد، وقرأها ناشر الاتّعاظ (هامش ١): تموير وشرحها بالاضطراب والتحرّك.
(٩) رضوان بن ولخشي. ولم ينتبه المقريزيّ إلى أنّه لم يذكره فيما سبق، كأنّه يعتمد على روايته في الاتّعاظ.

<<  <  ج: ص:  >  >>