للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

خطبة المستنصر من حلب في شوّال سنة اثنتين وستّين ودعا للخليفة القائم بأمر الله العبّاسيّ وللسلطان ألب أرسلان.

وسار ألب أرسلان إلى الشام وقطع الفرات في ربيع الآخر سنة ثلاث وستّين، ونزل على حلب.

ثمّ عاد لما دهمه من خبر ملك الروم، وترك عدّة من الترك ملكوا بلاد الشام، فخرجت [٤٨٨ أ] عن أيدي المصريّين من حينئذ.

وندب المستنصر عسكرا لقتال ابن حمدان عند ما بلغه مكاتبة أهل العراق. فتقدّم أحد مقدّمي العسكر، وكانوا ثلاث فرق، وواقع ابن حمدان، فقتل من أصحابه عدّة وأسر. وقدم العسكر الثاني ولم يعلم بما جرى على الأوّل، فمرّ عليه مثل ما جرى على من تقدّمه، وقدم الثالث فصار إلى ما صار إليه العسكران من القتل والأسر. وقوي ابن حمدان بما غنمه من هذه العساكر، ومنع الميرة عن القاهرة ونهب أكثر الوجه البحريّ (١) وأبطل الخطبة للمستنصر من الإسكندريّة ودمياط وسائر الوجه البحريّ، وخطب للخليفة القائم بأمر الله العبّاسيّ.

فاشتدّ الأمر وعظم الخطب بالقاهرة ومصر لكثرة الجوع والموت في الناس، وألجأت ضرورة الحال الأتراك إلى مصالحة ابن حمدان لعظم ما حلّ بالناس من البلاء والشدّة. وتقرّر الحال على أنّه يقيم بمكانه من البحيرة ويحمل إليه مال مقرّر، ويكون تاج الملوك شادي نائبا عنه. فرضي بذلك، وسيّر الغلال إلى القاهرة فتنفّس خناق الناس قليلا.

ثمّ انتقض ما تقرّر بعد أشهر، واختلف الأتراك على ابن حمدان ومنعوه المال. فسار من البحيرة

في عساكر كثيرة ونزل على الجيزة، واستدعى تاج الملوك. فخرج إليه ومعه عدّة من المقدّمين فقبض عليهم وعدّى حتّى وافى مدينة مصر في ذي القعدة سنة ثلاث وستّين [وأربعمائة] ونهبها أصحابه وحرقوا دور الساحل. فبعث إليه المستنصر عسكرا كبيرا حاربوه وهزموه، فعاد إلى البحيرة.

وسار في سنة أربع وستّين إلى مصر وقد اضمحلّ أمر المستنصر وبطل ذكره وعظمت الشدّة في الناس. فقدم في شعبان وحكم في مصر وبعث يستدعي المال من المستنصر، فوجده الرسول على حصير، وقد زالت أبّهة الملك. فرقّ له وقرّر باسمه راتبا في كلّ شهر مائة دينار وبالغ في إهانته مبالغة عظيمة وقبض على أمّه وعاقبها وأخذ أموالها. وفرّق أهل الدولة عن المستنصر واجتهد في إقامة الدعوة العبّاسيّة بالقاهرة ومصر، فلم يتمكّن من ذلك لكثرة أتباع المستنصر. وفطن له الدكز ويلدكوش، وهما من أكبر الأمراء، واجتمعوا بالأتراك وخوّفوهم عاقبة استبداد ابن حمدان وقطعه الدعوة العلويّة. فانقادوا إليهما وتواعدوا على قتله. وكان الدكز قد زوّج ابنته من ابن حمدان هذا وتحالفا وأمن كلّ منهما إلى الآخر. فركب ابن حمدان يوما ليرتّب العساكر، فركب الدكز في خمسين فارسا، ورتّب مع غلامه حسام الدولة كمشتكين قتل ابن حمدان، وذكّره بما هو عليه من سفك الدماء، وما وقع بسببه من الغلاء والجلاء، فاتّفقا على إراحة المسلمين منه.

ثمّ [٣٨٤ ب] قصداه وهو يتمشّى في داره، فمشى معه الدكز، ثمّ تأخّر عنه وضربه في خاصرته، وضربه كمشتكين فقطع رجليه، فصاح:

فعلتموها! - ثمّ حزّوا رأسه، وذلك في ليلة [ ... ] من رجب سنة خمس وستّين وأربعمائة.


(١) اتّعاظ ٢/ ٣٠٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>