للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

قد غلب أبو ذفافة على المهديّ، ورأيه ما تعلم.

فقال: يا بنيّ، إنّ المهديّ قدم من الريّ في زيّ أهل خراسان، فجهدت أن أنقله عن ذلك بكلّ حيلة يحتال بها في مواجهة وتعريض فلم ينتقل عنه. فلمّا صحبه أبو ذفافة لم أشعر به ذات يوم إلّا وقد طلع عليّ معتمّا على قلنسوته، وفي رجله خفّان أسودان. فو الله لو ضمّ إليّ ملك مثله ما كان ذلك بأسرّ إليّ من هيئته. وإنّما أبو ذفافة رجل أراد أن ينال شيئا من الدنيا، فقد ناله وأكثر منه. وهو رجل شريف، وللشّريف شكر، فلا يسوءنّكممكانه.

ودخل عليه الربيع الحاجب يوما وفي رجليه خفّ أبيض محكوك مكعّب، فقال له: لولا أنّي لم أتقدّم إليك لأدّبتك! ما لك ولخفاف الزفّانين؟ (١)

ودخل عليه المبارك بن فضالة وهو بالجسر الأكبر، فقال: يا أمير المؤمنين، حدّثني الحسن قال: بلغني عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: من كان له على الله حقّ، فليقم! فما يقوم إلّا العافون عن الناس.

فقال المنصور: «قد عفوت». ولم يدخل البصرة.

وكان المنصور وهو بالبصرة قبل أمر المسوّدة يجلس في حلقة فيها أزهر السمّان. فلمّا أفضت إليه الخلافة وفد إليه أزهر، فقال له: ما جاء بك يا أزهر؟

قال: يا أمير المؤمنين، داري مستهدمة، وعليّ دين مبلغه أربعة آلاف درهم، وأريد أن أزوّج ابني محمّدا.

فقال: قد أمرت لك باثني عشر ألف درهم، فخذها ولا تأتنا طالبا.

فأخذ وانصرف. فلمّا كان العام المقبل أتاه.

فلمّا رآه قال: ما جاء بك يا أزهر؟

فقال: أتيتك يا أمير المؤمنين مسلّما.

فقال: إنّه ليقع في خلد أمير المؤمنين أنّك أتيت طالبا.

قال: ما أتيت إلّا مسلّما.

فقال: قد [١٠٦ أ] أمرنا لك باثني عشر ألفا، فخذنا ولا تأتنا طالبا ولا مسلّما!

فلمّا كانت السنة الثالثة عاد إليه، فقال: ما جاء بك يا أزهر؟

قال: أتيتك عائدا.

فقال: قد أمر لك أمير المؤمنين باثني عشر ألف درهم، فخذها ولا تأتنا طالبا ولا مسلّما ولا عائدا.

فلمّا كانت السنة الرابعة قدم عليه فقال: ما جاء بك يا أزهر؟

قال: سمعتك تدعو بدعاء فجئت لأكتبه عنك.

قال: إنّه غير مستجاب: قد دعوت به أن لا أراك فلم يجب!

وأمر له باثني عشر ألفا وقال: تعال متى شئت، فقد أعيت فيك الحيل!

وبعث المنصور إلى مسعر بن كدام الهلاليّ (١*) فقال له: يا أبا سلمة هل لك في أن أوّليك؟

فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أرضى نفسي لأن أشتري لأهلي حاجة بدرهم حتّى أستعين بغيري، على أنّ الثّقات قليل. فكيف أغرّك عن عملك، وأنا إلى أن تصل قرابتي ورحمي أحوج منّي إلى الولاية؟ فقد قال النابغة الجعديّ [الوافر]:


(١) الزفّانون هم أهل الرقص والملاهي.
(١*) في جمهرة ابن حزم، ٢٧٤، أضيف: الفقيه.

<<  <  ج: ص:  >  >>